تسعى فرنسا لمعالجة التوتر في العلاقات مع مسلميها البالغ عددهم نحو أربعة ملايين، وهي تحركات تهدف وفق وزير الداخلية إلى "إبراز الديانة الإسلامية في فرنسا بصورة طوعية في إطار احترام مبادئ العلمانية والحوار والاحترام المتبادل الذي يقوم على قيم الجمهورية".


أطلقت الحكومة الفرنسية مع ممثلين عن الديانة الإسلامية أمس الاثنين نقاشا لإقامة "علاقة تهدئة" مع المسلمين الفرنسيين، وذلك في ظل أجواء لا تخلو من التوتر وتحديات ليست كلها حديثة العهد.

وفي ختام يوم من المناقشات تحدث وزير الداخلية والأديان برنار كازنوف عما سماها "مرحلة جديدة ضرورية لإيجاد الشروط اللازمة لقيام علاقة قوية وهادئة بين الجمهورية والفرنسيين المسلمين".

وأعلن الوزير في هذا الصدد عن هيئتين جديدتين كان يجري العمل على إنشائهما منذ أشهر عدة لإيجاد التمويل اللازم للمشاريع المرتبطة بالإسلام شرط أن يكون هذا التمويل فرنسيا.

ويأتي التحرك الحكومي الفرنسي بعدما تضررت العلاقة بين الدولة الفرنسية ومسلميها على خلفية هجمات نفذها "جهاديون" هذا العام والعام الماضي وأثارت تشنجات لدى البعض بشأن المسلمين علما بأن الإسلام هو الديانة الثانية في فرنسا حيث يعتنقه نحو أربعة ملايين شخص.

ثم تجدد التوتر هذا الشهر بعدما قررت عدة بلديات حظر البوركيني وهو لباس السباحة الساتر الذي ارتبط ارتداؤه بالمسلمات خصوصا، فضلا عن رفض أحد المطاعم استقبال سيدتين محجبتين السبت الماضي.
   
ملف شائك
وفي هذا الإطار، قررت الحكومة الدخول مباشرة في ملف شائك سبق فتحه قبل 15 سنة ويهدف الى إعادة النظر بالمؤسسات التي تمثل المسلمين في فرنسا لتسهيل الحوار مع "المعتدلين" منهم وكشف "المبشرين بالكراهية".

ولا تقتصر المشكلة في هذا الملف على علاقة المسلمين بغيرهم إنما تتأثر بالدول الأصلية للفرنسيين المسلمين، "فالهيئات المرتبطة بالمغرب والجزائر وتونس خصوصا تجد صعوبة في العمل مع بعضها البعض، كما أن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية مشلول منذ زمن طويل بسبب الخلافات داخله".

مسيرة لمسلمين بفرنسا تعاطفا مع ضحايا حادث طعن استهدف شرطيا وزوجته هذا العام (الأوروبية) 

وللحد من التأثيرات الخارجية أرادت السلطات الفرنسية إعادة إطلاق فكرة إنشاء مؤسسة "إسلام فرنسا" التي ظهرت عام 2005 لكنها لم تتمكن من العمل بسبب الخلافات بين أعضائها.
    
وتسعى السلطات من إنشاء هذه المؤسسة العلمانية والجمعية الثقافية التي ستلحق بها إلى إيجاد التمويل الفرنسي للمشاريع الإسلامية في فرنسا بدلا من الأموال القادمة من الخارج والتي تراها السلطة غير واضحة الهوية.

عمل أخرق
لكن اختيار الوزير الاشتراكي السابق جان بيار شوفنمان (77 عاما) المعروف بدفاعه الشديد عن العلمانية أثار بدوره مشكلات جديدة، حيث تحفظ عليه المسلمون، ووصف أحدهم اختياره بأنه "عمل أخرق".

بدوره، دافع وزير الداخلية كازنوف عن هذا الاختيار واعتبر أن "تولي جمهوري كبير رئاسة هذه الهيئة لدى تأسيسها والتي ستضم العديد من المسلمين له أبعاد رمزية بما أن هذه الهيئة الجديدة ستكون جسرا بين الجمهورية ومسلمي فرنسا".    

وسيضم مجلس إدارة هذه المؤسسة 11 شخصا، بينهم رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية وثلاثة ممثلين عن الدولة، كما سيكلف "مجلس توجيه" يضم عشرين شخصا بالبحث عن المشاريع الواجب تمويلها.   

وتمتد الجهود الفرنسية في هذا الشأن لتشمل إنشاء جمعية ثقافية يفترض أن تتولى تمويل تعليم الفقه للكوادر المسلمة وتشييد المساجد. وقال الوزير "نرغب في أن تمر عبرها أموال تضمن شفافيتها، ليست ضريبة بل مساهمة طوعية يتم التفاوض بشأنها من أفراد في شبكة الحلال وهبات الحجاج".
    
ويقول كازنوف إن الهدف من كل ذلك هو "إبراز الديانة الإسلامية في فرنسا بصورة طوعية في إطار احترام مبادئ العلمانية والحوار والاحترام المتبادل الذي يقوم على قيم الجمهورية".

المصدر : الفرنسية