تحت الاحتلال يتجرع الفلسطينيون صنوف المعاناة من الحصار مرورا بالحواجز ووصولا إلى تشتيت الأسر. فهذا عروة من قرية "دوما" قرب نابلس اعتقل بينما كان عائدا للضفة من الأردن، وزوجته بغزة ممنوعة من الدخول ليظل طفلاهما كاليتيمين برعاية جدتهما.

عاطف دغلس-نابلس

بصوت مرتفع يصرخ جود "ماما" وما يلبث خالد أن ينادي "بابا" لكن أحدا منهما لا يجيب. فيأتي الرد من الجدة الستينية عائشة ملبية نداء الطفلين، لتعيد لنفسها أمومةً انقطعت عنها منذ أكثر من ربع قرن، كانت بولادة طفلها عروة.

ثلاثة أشهر عجاف انقضت ولما يأتي أحد الأبوين، ولم تكلّ الجدة أو تملّ، وتواصل رعاية حفيديها كما أبنائها "فليس أعز من الولد إلا ولد الولد".

في مطلع أبريل/نيسان الماضي غيّب الاحتلال قسريا والدي الطفلين الشقيقين خالد دوابشة (ثلاثة أعوام) وجود التي تصغره بعام فاعتقل الأب ومنع الأم الغزاوية من دخول الضفة الغربية مفرقا بينهم بالقوة.

اعتقل عروة لدى مروره عبر جسر الكرامة (اللنبي) منفذ الفلسطينيين الوحيد بالضفة على العالم، قادما من الأردن الذي غادر إليه قبل خمس سنوات طلبا للعلم، لكن سرعان ما تحوّل مشروعه للزواج.

تربُت الجدة عائشة دوابشة (أم عامر) على كتفي حفيدها خالد وتمسح على رأسه بينما يحاول عبادة (نجل عائشة) إيقاظ جود من النوم، حين وصلنا منزل العائلة في قرية دوما جنوب مدينة نابلس.

كان زواج عروة من إسلام عيّاد الفتاة الفلسطينية التي تسكن قطاع غزة تم في مصر، وكان عروة تعرّف إليها عبر أقارب له، لم يتمكن أحد من ذويه من حضور حفل الزفاف، ولم تكن عائشة منهم.

استدارت الحاجة عائشة نحونا "كنت آمل أن يكمل عروة دراسته والزواج يأتي لاحقا، لكن ليست كل الأمنيات تتحقق".

سنوات قليلة مكثها عروة بالأردن عقب زواجه، أنجب خلالها طفليه جود وخالد، وتعرّض لإصابة عمل أقعدته شهورا طويلة طريح الفراش حتى قرر القدوم بهما لتسجليهما بالهوية، وإلا فقدا الجنسية الفلسطينية.

لحظة الاعتقال
بين عدد مهول من المسافرين عند الجسر كان الطفلان يتبادلان ووالدهما المرح والضحكات. ساعات قليلة ويصلون منزلهم، أو هكذا خُيّل لهم، لكن سرعان ما تحوّلت نظرات موظف الجوازات الإسرائيلي لكابوس بعد أن عقد حاجبيه وطلب من عروة الوقوف جانبا.

شيء من اللعب يدخل فرحة على الطفلين جود وخالد في ظل غياب الوالدين قسرا (الجزيرة نت)

عندها -والكلام لعبادة شقيق عروة- اقتيد أخوه للتحقيق لأكثر من ساعتين لدى مخابرات الاحتلال "لبضع دقائق خرج عروة مودعا طفليه وليخبر شقيقته التي كانت ترافقه باعتقاله". لا بأس فالاعتقال لم ينج منه عروة أو أي من أشقائه وحتى شقيقته في السابق، لكن ما زاد الطين بلة وضع الطفلين.

هنا بدأت خيوط المعاناة تحيك قصة الألم التي يعيشها الطفلان. فالأم يمنعها الاحتلال من الدخول لأنها تحمل هوية غزة، والأب يعيش قسرا في غياهب سجن "مجدو" الإسرائيلي، ولم يسمح لأحد من ذويه أو أطفاله زيارته حتى اللحظة.

زاد البعد جفاء خالد ولم يهمس لأمه بكلمة. فمشهد اعتقال والده حاضر في ذهنه كاملا، زاده مأساة رؤيته له مجددا داخل قاعة المحكمة مكبّل اليدين والقدمين، أما جود فلم تدرك معنى الغياب بعد، ولمّا تنطق شفتاها سوى "بابا.. ماما".

بعض اللعب في فناء المنزل لم يُغير في حال الطفلين ولم يشبع إلحاحهما في السؤال عن والديهما، لكنه على الأقل يُبقيهما معا.

هجْر قاسٍ
عبر الهاتف كانت الأم إسلام -التي غادرت الأردن للتو إلى غزة بعد أشهر من انتظار الأمل بالإفراج عن زوجها- تعتصر ألما ليرد خالد على الهاتف، تحاول لكن دون جدوى، ُيقلّب الهاتف بين يديه كما لو كان لعبة، ظل مكبر الصوت يصدح "ماما.. ماما.. خالد، أحضرت السيارة الحمراء التي طلبت".

على هذا الحال تقضي إسلام أيامها، بعض صور لجود وخالد كانت تحتفظ بها على هاتفها النقال، طبعتها واحتفظت بها وبعض الهدايا والملابس في دولابها الخاص.

نسف الاحتلال كل جهود العائلة للم شمل الأم وطفليها بالضفة لتبقى نار العيش دون أبوين تكويها، تماما كما حال قريتهم "دوما" التي تخلد هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى "للمحرقة" التي ارتكبها مستوطنون وقتلوا عائلة بأكملها.

المصدر : الجزيرة