تظهر معطيات التدخل العسكري المباشر في الشمال السوري استغلال أنقرة للمتغيرات في علاقاتها الخارجية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، إذ استغلت تبدل تحالفاتها الدولية والإقليمية في خلق إستراتيجيات جديدة تخدم أهدافها القديمة.

خليل مبروك-إسطنبول

قطع أزيز الرصاص في محيط مدينة جرابلس المتاخمة للحدود مع تركيا الشك باليقين حيال تبني أنقرة سياسات جديدة عنوانها "إطلاق اليد" في التعامل مع تداعيات الأزمة السورية المستمرة منذ أكثر من خمس سنوات.

فقد جاء هجوم القوات الخاصة التركية على مواقع تنظيم الدولة الإسلامية في المدينة الواقعة في الشمال السوري فجر الأربعاء، بعد أيام قليلة من تصريحات لرئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم، دعا فيها إلى "فتح صفحة جديدة بشكل عاجل في سوريا وبمشاركة تركيا وإيران وروسيا وأميركا ودول الخليج".

وتظهر معطيات التدخل العسكري المباشر في الشمال السوري استغلال أنقرة للمتغيرات في علاقاتها الخارجية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها يوم 15 يوليو/تموز الماضي، إذ استغلت تبدل تحالفاتها الدولية والإقليمية في خلق إستراتيجيات جديدة تخدم أهدافها القديمة.

توجهات جديدة
ووفقا لمراقبين ومحللين سياسيين، فإن نواة التوجهات الجديدة لتركيا في الملف السوري قد تبلورت نهاية عهد رئيس الحكومة السابق أحمد داود أوغلو، لكن ترجمتها إلى إجراءات عملية بدأت مع تولي يلدرم رئاسة الحكومة في مايو/أيار الماضي.

ويرى المراقبون أن ثوابت أنقرة في الملف السوري ظلت تركز على إقامة المنطقة الآمنة، ودعم قوى المعارضة السورية المعتدلة، وعدم استفادة الجماعات التي تصنفها تركيا بالإرهابية من هذا الدعم، ورحيل بشار الأسد.

 ماجد عزام: التوجه التركي الجديد يمنح دول المنطقة دورا كبيرا في حل قضاياها (الجزيرة نت)

ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي ماجد عزام أن تلك الثوابت اصطدمت بلامبالاة الغرب الذي ظل اهتمامه ينصب على هزيمة تنظيم الدولة وحلفائها، ولو كان ذلك لصالح حزب العمال الكردستاني والجماعات الكردية المناوئة لأنقرة.

وأشار عزام إلى أن التوجهات التركية الجديدة وضعت في الحسبان ترميم العلاقات التي تضررت مع دول الجوار على خلفية الخلاف في الملف السوري سيما طهران وموسكو، دون أن تقدم أنقرة تنازلات تضر بثوابتها أو بمصالحها أو حتى هيبتها.

كما لفت إلى أن تعميق الانخراط في الأزمة السورية يوجه رسالة طمأنة إلى المعارضة الداخلية التي ساندت الحكومة في وجه محاولة الانقلاب، مفادها أن الموقف التركي يقوم على تحقيق المصالح الوطنية عبر منع الجماعات الكردية من التمدد في الفراغ الذي تخلفه هزيمة تنظيم الدولة، وحرمانها من فرصة إقامة كيانات كردية على الحدود مع تركيا.

ورأى عزام أن التحرك التركي الجديد في الملف السوري يهتم بمنح دول المنطقة دورا مركزيا في حل قضاياها، مستغلا حرص واشنطن على إرضاء تركيا الغاضبة من موقف البيت الأبيض تجاه محاولة الانقلاب وموضوع تسليم فتح الله غولن.

ولخص الموقف بالقول إن تصفية تركيا لوجود تنظيم الدولة في جرابلس يمثل استغلالا ذكيا لهدف مشترك لدى الجميع، فهو يمنح أنقرة منطقة تكتيكية آمنة لتحرك قواتها، ولدعم المعارضة السورية المعتدلة، وإيواء اللاجئين المدنيين، دون أن يستفيد من ذلك الانفصاليون الأكراد، ودون أن يؤدي إلى إزعاج طهران أو موسكو أو واشنطن أو الحلفاء العرب.

 جان آجون: الاتفاق بين تركيا والولايات المتحدة بشأن سوريا ما زال بعيدا (الجزيرة نت)

فرص النجاح
وكانت وسائل الإعلام التركية قد وصفت عملية القوات الخاصة التي سهلت اقتحام المعارضة السورية لمدينة جرابلس بالعملية الذكية، مؤكدة أنه سيترتب عليها كثير من الإنجازات لصالح الرؤية التركية للملف السوري.

لكن الباحث في قضايا الجنوب التركي بمركز "ستا" للدراسات جون آجون قلل من سقف التوقعات من ذلك، موضحا أن خلافات بلاده مع الدول الفاعلة في الملف السوري ما زالت كبيرة.

وقال آجون للجزيرة نت إن الولايات المتحدة تخالف تركيا في سياستها, وإن الاتفاق بين البلدين ما زال بعيدا في الأزمة السورية.

وأضاف أن واشنطن ما زالت تعترف بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (بي.يي.دي)، ولا تراه منظمة إرهابية مثلما تصنفه أنقرة على خلفية مساعيه لإقامة دولة كردية في الشمال السوري.

كما رأى الباحث أن الرهان على الموقف الروسي صعب، نظرا لتغير موقف موسكو بين الفينة والأخرى، مشيرا إلى أن الكرملين بالمجمل يخالف أنقرة في مسألة رحيل الأسد ولا يرى إمكانية لحلٍّ في سوريا بدونه.

المصدر : الجزيرة