متجاوزة الخطوط الحمراء القديمة شرعت القوات التركية في شن عملية عسكرية كبيرة لضرب تنظيم الدولة وطرده من مدينة جرابلس الواقعة على حدودها مع سوريا ضمن عملية أطلقت عليها أنقرة اسم "درع الفرات" بالتعاون مع المعارضة السورية المسلحة.

زهير حمداني

تشي معركة جرابلس التي أطلقتها تركيا بعد طول تردد بتحولات عميقة في الأزمة السورية والمنطقة وملفاتها المتشابكة وتوازنات العلاقات بين أطرافها، المدينة الإستراتيجية الصغيرة التي حسمت أنقرة أخيرا أمر دخولها من المرجح أن تصبح عنوانا جديدا للتحالفات المتغيرة وللخرائط المقبلة.

متجاوزة الخطوط الحمراء القديمة، شرعت القوات التركية في شن عملية عسكرية كبيرة لضرب تنظيم الدولة وطرده من مدينة جرابلس الواقعة على حدودها مع سوريا ضمن عملية أطلقت عليها أنقرة اسم "درع الفرات".

والمدينة الواقعة شمال شرق حلب على الضفة الغربية لنهر الفرات وتبعد نحو خمسين كيلومترا شرقي بلدة الراعي الحدودية التي استرجعتها المعارضة السورية المسلحة قبل أيام من تنظيم الدولة الذي سيطر عليها في يناير/كانون الثاني 2014، طاردا قوات المعارضة منها. 

دبابات تركية منتشرة على الحدود التركية السورية في إطار العملية العسكرية على تنظيم الدولة بجرابلس (الجزيرة)

السباق إلى جرابلس
ترغب تركيا في قطع الطريق أمام أي كيان كردي في المنطقة أو توسعته على الأرض السورية، وقد سعت أنقرة من خلال العملية العسكرية للوصول إلى جرابلس قبل القوات الكردية (قوات سوريا الديمقراطية) لتشكل المنطقة بين جرابلس وإعزاز بعد السيطرة عليها حاجزا يمنع الصلة بين المناطق الكردية.

وتنظر أنقرة بقلق منذ سنوات إلى أي محاولة من أكراد سوريا لتشكيل وحدة جغرافية ذات حكم ذاتي على طول حدودها، ولذلك سعت لإعاقة أو إنهاء محاولة القوات الكردية وصل مناطقها في الشمال والشمال الشرقي لسوريا مع منطقة عفرين في الشمال الغربي بهدف تشكيل ما يعرف بإقليم "روج آفا".

وكانت قوات سوريا الديمقراطية قد أكدت عزمها التوجه إلى جرابلس بعد سيطرتها على منبج (التي تقع على بعد 30 كيلومترا لجنوب جرابلس)، وقد باتت القوات الكردية في الآونة الأخيرة تفرض ما يشبه الطوق حول جرابلس من عين العرب (كوباني) شرقا إلى منبج جنوبها.

وقبيل العملية العسكرية بيوم واحد قال نائب رئيس الوزراء التركي نعمان قورطولموش إنه "لا يمكن لتركيا أن تقبل سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا المرتبط بحزب العمال الكردستاني في تركيا على الحدود السورية التركية البالغ طولها 911 كلم".

وأشار إلى أن بلاده لا يمكن لها أن تبقى مكتوفة الأيدي تجاه التطورات التي تعني المرحلة النهائية لإلغاء وحدة التراب السوري وتشكيل دولتين وثلاث في سوريا، لافتا إلى متابعة بلاده لتلك التطورات لحظة بلحظة، وفقا لما نقلته عنه وكالة الأناضول.

خريطة وزعتها الجبهة الشامية توضح المناطق التي تقدم إليها الجيش الحر باتجاه مدينة جرابلس 

تحولات المنطقة
وتأتي عملية جرابلس العسكرية في سياق تطورات مستجدة في سوريا والمنطقة، خصوصا بعد الانقلاب الفاشل في تركيا والتقارب الروسي التركي، وقد ضربت أنقرة من خلالها عدوين في عملية واحدة (الوحدات الكردية وتنظيم الدولة) مستفيدة من التقارب مع موسكو ومن فتور العلاقة مع واشنطن في مرحلة ما بعد الانقلاب ومن تفاهمات جديدة رسمت معالمها في موسكو بعد زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان مؤخرا، كما يقول عدد من المحللين.

وروسيا الحليفة للأكراد في سوريا لم تكن تقبل سابقا العمليات التركية على الحدود السورية، ومنذ حادثة سوخوي لم تقترب المقاتلات التركية من الحدود السورية.

وإذا كانت تركيا قد عملت في السنوات الأخيرة على إقامة "منطقة "آمنة" في شمال سوريا تصل على طول المنطقة الممتدة من جرابلس إلى أعزاز رفضتها الولايات المتحدة وروسيا معا فإن الوضع الحالي وبعد طرد تنظيم الدولة من جرابلس يضمن منطقة آمنة فعليا لتركيا خالية من الأكراد وتنظيم الدولة مع تقدم قوات المعارضة السورية المسلحة إلى المدينة مع الدبابات والقوات الخاصة التركية.

وفيما اعتبرت دمشق أن العملية التركية خرق لسيادتها تشير سياقات الأحداث الأخيرة إلى تغير في العلاقة بين دمشق والأكراد وأن أنقرة ودمشق أصبحتا تحاربان عدوا واحدا، بعد الاشتباكات الأخيرة بين الأسايش الكردية وقوات النظام بالحسكة.

وتظهر الأحداث المتلاحقة وآخرها بجرابلس أن تنظيم الدولة خسر معظم مواقعه المهمة على الحدود التركية السورية، فيما يبقى وضع الأكراد والاتحاد الديمقراطي الكردي ومشروعه في المنطقة بعد التدخل التركي في جرابلس متوقفا على مسارات الأحداث والتفاهمات المقبلة بما يشير إلى أن الأمور في شمال سوريا قبل عملية جرابلس لن تكون كما بعدها.

المصدر : الجزيرة