مع ارتفاع درجات الحرارة يقبل المصريون على المصائف بالمدن الساحلية، وهو ما لا يستطيعه الفقراء الذين لا يجدون غير شواطئ النيل ملاذا لمحاكاة ما يقوم به رواد السواحل، ولكن من غير تكاليف.

عبد الله حامد-القاهرة 

يخلع حسين ملابسه استعدادا للسباحة في نهر النيل بمنطقة البحر الأعظم بالجيزة الذي أصبح ملاذه وملاذ آلاف البسطاء هربا من درجات الحرارة المرتفعة، وتكاليف المصائف البحرية الباهظة.

ولا يجد حسين الكثير من الخيارات لقضاء صيف ممتع، فيجد نفسه مضطرا للسباحة في نهر النيل على الرغم من أن السباحة فيه تعد أخطر من السباحة في البحر، وفق وصفه.

ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية تخلى ملايين المصريين عن بند الترفيه في نفقاتهم السنوية.

وطبقا لنتائج دراسة الدخل والإنفاق والاستهلاك الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء مؤخرا، تراجع الإنفاق على الترفيه (ومنها التصييف) ليصل لنسبة 1.2% من دخول المواطنين المصريين، بمتوسط إنفاق يصل إلي 6756 جنيها (نحو ثمانمئة دولار بالسعر الرسمي).       

أما خالد المقيم بجزيرة القرصاية التي تنازع عليها مستثمرون مع سكانها المقيمين بها بحق الانتفاع، فلم تثنه السباحة عن النظر للبنايات الفارهة على كورنيش المعادي جنوب القاهرة، وعن التساؤل "لماذا يطمع بعض هؤلاء الأكابر في شواطئ جزيرتنا؟".

ولم تتأخر الإجابة كثيرا، فمن وجهة نظر رجل أعمال شهير يعمل بمجال السيراميك والفضائيات فإن "هذه الأرض فرصة، لو أقيمت عليها شاليهات للقادرين ستباع بملايين الدولارات، وتدر أمولا على الجميع، وتمنح البسطاء فرصة الذهاب للشواطئ بحرية".

يلوذ أطفال حراس المباني ببركة النافورة مصيفا لهم (الجزيرة)

واقع قاهر
"لا يسمح لنا بالذهاب للشواطئ في بلادنا" جملة لخص بها عمرو واقعه القاهر، واستطرد وهو يفرد ذراعه بطولها مشيرا للنهر "إلا هذا".

غير أن حال عمرو أفضل من سمية ابنة حارس (بواب) إحدى البنايات بمنطقة المهندسين التي لم تجد وأخواتها إلا بركة مياه حول نافورة أحد الميادين كي تستجم بها هربا من حرارة الجو.

ووفق سماسرة ينشرون أسعار الشواطئ البحرية في صفحات خاصة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، تتراوح الأسعار طبقا للزمان والمكان، فيونيو/حزيران يختلف عن أغسطس/آب، ومارينا تمتاز عن الإسكندرية.

منتجعات الكبار باتت حكرا على طبقة الأثرياء بمصر (الجزيرة)

إيجارات وأسعار
وتصل إيجارات بعض الشقق بالإسكندرية إلى ألفي جنيه لليوم الواحد (112 دولارا) أما الشواطئ فدخول معظمها بمقابل.

ومتوسط إيجار شقة ليوم واحد في مصيف للبسطاء هو "بلطيم" مائتا جنيه (22 دولارا) ورغم أن مدينة الإسماعيلية تشتهر كمصيف لليوم الواحد، فإن دخول الشواطئ يعد أمرا مكلفا لأسرة.

وفي مطروح، يصل إيجار الشقق والشاليهات في اليوم الواحد 1200 جنيه (135 دولارا) ما يجعلها منافسة لشواطئ شهيرة مثل مراسي ومارينا التي تصل أسعار الغرفة بالفنادق الفاخرة بها لنحو خمسة آلاف جنيه (563 دولارا).

ويصل مقابل تأجير الشاليه بمدينة الغردقة لنحو ستمئة جنيه (67 دولارا) في اليوم الواحد دون خدمات.

ويقول إسلام رجب الذي عاد لتوه من مصيفه بالساحل الشمالي "إن كثيرا من هذه الشواطئ حكر على قاطني القرى السياحية المطلة عليها، وكلما زاد من صفاء مياهها ونقاء رمالها كانت امتيازا لفئة محظوظة أو قادرة ماديا".

شواطئ الأغنياء لم تعد في مقدور معظم الأسر المصرية نتاج الأزمات المالية (الجزيرة)

حق أساسي
ويرى أستاذ علم الاجتماع سعيد المصري أن هذه "المسألة تتعدى فكرة مجرد الاصطياف كترف إلى الحق الإنساني في الترفيه، في ظل الضغوط المتعاظمة على المواطن المصري، وما يعتمل في نفسه حينما يشاهد إعلانات موجهة للطبقات العليا، ويقارن هو وأطفاله بينهم وبين الآخرين، وهو ما لم يكن يواجهه جيل ما قبل التليفزيون وإعلاناته".

ويشير المصري إلى أن "الازدياد في الطلب الاجتماعي على المصائف في العقود الأخيرة كمكون أساسي يعين الإنسان على استئناف حياته، وخاصة بالنسبة للطبقة الدنيا المحرومة، وهو ما يجعل الاصطياف حقا أصيلا، ومتنفسا للغضب الاجتماعي".

وأوضح في حديثه أن "هناك من لا يعرف البحر أصلا رغم أن وطنه محاط ببحرين، فمعظم الشعب محروم من شواطئهما، وهو أمر أنتجته سياسات التنمية الخطأ بحصر الأماكن المميزة للطبقة الأعلى".

وبيع الشواطئ سواء البحرية للقرى السياحية أو تخصيص النيلية للنوادي "جريمة كبرى" برأي الأكاديمي المصري "وهو وضع ظالم يحرم حتى الأغنياء من الشواطئ، فالمواطنة تعني توزيعا عادلا لجميع الخدمات، واختلال العدل أحد العوامل التي تفاقم الحقد الطبقي والغضب الاجتماعي".

المصدر : الجزيرة