سلافة جبور-دمشق

حصار شبه مطبق.. تشديد أمني خانق.. منع خروج ودخول السكان.. السماح للموظفين والطلاب فقط بالعبور.. إدخال كميات محدودة جدا من المواد الغذائية، هذه هي يوميات معاناة مئات الآلاف من سكان مدينة التل بريف دمشق.

فمنذ قرابة العام، تعيش هذه المدينة الواقعة بريف دمشق الشمالي الغربي، والمحاطة بالعديد من القطع والثكنات التابعة للجيش السوري النظامي، فصلا آخر من فصول عقاب النظام للمناطق الخارجة عن سيطرته بفرض سياسة الحصار والتجويع عليها.

وعلى عكس العديد من المدن والبلدات التي هادنت فصائلها المسلحة النظام، لم ينفع اتفاق الهدنة الموقع في التل بتخفيف وطأة الحصار، وإنما كان مجرد حبر على ورق كما يقول كثير من سكانها، خاصة مع إغلاق كل مداخل المدينة بالسواتر الترابية والحواجز الإسمنتية، وإبقاء مدخل وحيد يتحكم به حاجز تابع لقوات النظام.

ولم تترك إجراءات النظام الكثير من الخيارات لقرابة مليون مدني يعيشون في التل -حسب إحصاءات بعض الجمعيات الإنسانية والهلال الأحمر السوري- مع نفاد معظم المؤن والمدخرات المنزلية، فلجأ بعضهم للاعتماد على الزراعة رغم عدم أهلية المنطقة لذلك، واضطرارهم للاعتماد على مياه الصرف الصحي للسقاية، واكتفى آخرون بما تيسر لهم من أغذية يحصلون عليها من الأسواق.

ضرب وإهانة
يروي أبو أحمد، وهو من أهالي حي القابون الدمشقي الذين نزحوا للتل منذ ثلاثة أعوام، معاناته اليومية على معبر المدينة الوحيد "لا نستطيع جلب سوى كيلوغرام واحد من المواد الغذائية وربطة خبز واحدة.. منذ حوالي أسبوع كان في جعبتي كيلو من السكر وآخر من الأرز وربطة من الخبز، وكان ثمن ذلك وقوفي لأكثر من ثلاث ساعات على الحاجز وتعرضي للضرب والإهانات والتفتيش".

حصار النظام دفع سكان التل للزراعة لسد احتياجاتهم رغم عدم صلاحية المنطقة لهذا النشاط (الجزيرة)

ويقول أبو أحمد للجزيرة نت إنه يفكر جديا في الانتقال للسكن في منطقة أخرى.

وأما فاطمة فتشتكي من تعرضها وتعرض نساء التل لتفتيش يومي ومضايقات من ضباط نساء على الحاجز، وتقول في حديث للجزيرة نت "لولا اضطرارنا للخروج وشراء حاجاتنا من المواد الغذائية لما عرضنا أنفسنا لهذا الذل اليومي".

وكأن هذه المعاناة لا تكفي، إذ حملت الأيام الماضية اشتدادا للحصار مع فرض النظام بشكل مفاجئ شروطا على إدخال جميع المواد الغذائية، وتتمثل في دفع إتاوات لأحد تجار الحرب المقربين من القوات الأمنية.

ويقول الناشط الإعلامي أحمد البيانوني إن المشاكل بدأت مع دعوة النظام الفصائل المسلحة للجلوس إلى طاولة المفاوضات ثم انسحابه منها بذريعة وفاة أحد أقارب الضباط المفاوضين، ليفاجئ السكان بعد ذلك بتسليم تاجر يدعى "أبو أيمن المنفوش" مهمة إدخال جميع مستلزمات المدينة، مع فرض ضريبة مقدارها تسعون ليرة على كل كيلوغرام (أي حوالي 0.2 دولار).

غضب شعبي
ولقيت تلك الإجراءات رفضا شعبيا واسعا وخرج الناس في مظاهرات تندد بالحصار وبالتاجر المعروف باستغلاله الحرب الدائرة في البلاد لجني أرباح طائلة عن طريق علاقاته الوثيقة بتجار النظام، كما سعى الأهالي للضغط على لجان التفاوض لرفض بيع معبر المدينة للمنفوش، فما كان من النظام إلا أن بادر بمعاقبتهم وقطع المياه لعدة أيام متصلة، وكذلك حرمانهم من الكهرباء لأكثر من عشرين ساعة يوميا.

ويضيف البيانوني -وهو مدير تنسيقية التل- أن المدنيين متخوفون من ازدياد الفقر وتحول الحصار إلى مجاعة مع انتشار البطالة بنسبة تفوق 90%، متابعا في حديثه للجزيرة نت "أسواق المدينة أصبحت شبه فارغة مع غلاء فاحش في الأسعار يفوق الإمكانات المادية للسكان الذين يعيش معظمهم تحت خط الفقر.

ويشير المتحدث إلى أن كل التجارات تحولت إلى سوق سوداء، والحالة الصحية آخذة في التدهور مع النقص الكبير في الأدوية والمستلزمات الطبية، وانتشار الأمراض الحادة والمزمنة والالتهابات وعلى رأسها التهاب الكبد الوبائي والتيفوئيد".

ويتوقع الناشط الإعلامي احتمال أن تدفع هذه الأوضاع المعيشية والصحية المتردية سكان مدينة التل للمطالبة بإشعال المعركة مع قوات النظام، "فكثيرون سيفضلون فتح الجبهة على الموت البطيء والذل اليومي على الحواجز".

المصدر : الجزيرة