نوران النائب

كان فجر الـ21 من أغسطس/آب 2013 شديد الحرارة على أهالي الغوطة الشرقية في ريف دمشق الذين لاذوا بباحات منازلهم العربية الضيقة وشرفاتها في ظل انقطاع التيار الكهربائي.

استيقظت وعائلتها قبيل صلاة الفجر على صوت صراخ يردد "كيماوي.. كيماوي" ولم تكن تدري أن هذه هي آخر كلمة تسمعها قبل أن تدخل في غيبوبة تامة.

تقول مريم بعد أن استعادت وعيها إن "أحد المسعفين ظن للوهلة الأولى أنني فارقت الحياة لولا أنه لاحظ ارتعاشة عيني، بعد أن أفرغوا دلاء على وجهي ووجوه أكثر من عشرين شخصا بجانبي دخلوا مثلي في غيبوبة".  

استردت وعيها لكنها كانت قد فقدت بصرها فاسودّت الدنيا في وجهها حتى أنها خشيت أن يصل الخبر لوالدها، فطلبت من المسعفين كتمان ذلك عنه.

تستذكر مريم ذلك اليوم عندما استيقظت فجر ذلك اليوم في منزل عائلتها في زملكا بريف دمشق لتقول بأسى "ليتني لم أستيقظ".

لم يتغير حال أهالي زملكا منذ حلول المجزرة حتى يومنا هذا، فهم يعيشون تحت وطأة القصف الروسي السوري إضافة للحصار الذي فرضته عليهم قوات النظام وحالت دون إيصال المساعدات الغذائية والصحية للجرحى الذين يعانون إلى هذا اليوم من آثار المجزرة.

تمر الذكرى الثالثة على مجزرة الغوطة الشرقية وحال أهاليها يمضي من سيئ إلى أسوأ. تقول مريم إنها ملت من سرد قصتها على الصحفيين والمصورين الذين دأبوا على التقاط صورها كلما مرت الذكرى

إحصائيات
فقد سجل نهاية عام 2013 ما يزيد على 1700 ضحية سقطوا في مجزرة قصف الغوطتين الشرقية والغربية بصواريخ محشوة بـغاز السارين السام أطلقتها قوات النظام من العاصمة دمشق. كان معظم القتلى من النساء والأطفال بالإضافة إلى أكثر من ثمانية آلاف مصاب.

وأشارت الإحصائيات الأولية لمنظمة حقوق الإنسان إلى أن الإصابات في مجزرة الكيميائي شملت من أُسعِفوا وممن كانوا في الملاجئ ، بينما لم تشمل الأسر التي اختنق أفرادها داخل المنازل التي ما تزال أبوابها مؤصدة تحول دون الوصول إليها.

لم تكن مجزرة الغوطة الشرقية هي المرة الأولى التي يستخدم فيها النظام الأسلحة الكيميائية، فقد سبق له أن استهدف مدنا ومواقع سورية أخرى قبل هذا التاريخ.

كما لا يزال القصف بالأسلحة الكيميائية مستمرا في المدن السورية حتى يومنا هذا، وحلب أبلغ شاهد على ذلك، بينما اكتفى المجتمع الدولي بسحب الأسلحة المحرمة من يد القاتل لتتكرر الجريمة ذاتها بطرق مختلفة.

أدركت مريم أخيرا أنه لا مناص من أن يعرف والدها أنها باتت كفيفة، ولعل ما يخفف عنه وطأة الخبر أنها ما زالت على قيد الحياة بينا فقد عشرات المئات حياتهم جراء قصفهم بالكيميائي.

تمر الذكرى الثالثة على مجزرة الغوطة الشرقية وحال أهاليها يمضي من سيئ إلى أسوأ. تقول مريم إنها ملت من سرد قصتها على الصحفيين والمصورين الذين دأبوا على التقاط صورها كلما مرت ذكرى المجزرة.

وتضيف مريم والأسى يبدو على محياها "لقد مللت من ذلك، ومما يزيد من ألمي أن من كان سببا في فقداني لبصري لم ينل عقابه بعد".

المصدر : الجزيرة