يرى محللون بريطانيون أن التأجيل أو المماطلة في اتخاذ قرار حاسم بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي قد تكون له تداعيات سلبية ليس فقط على بريطانيا وحدها، بل على تماسك دول الاتحاد أيضا.

العياشي جابو-لندن

تجري في كواليس الحكومة البريطانية مشاورات مكثفة للنظر في إمكانية تأجيل تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة بشكل يسمح لبريطانيا بتمديد فترة مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وأشارت بعض التسريبات السياسية إلى أن الحكومة البريطانية تواجه صعوبات عملية كبيرة في الالتزام ببدء تفعيل المادة 50 في بداية العام المقبل، كما لمّحت بذلك من قبلُ رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي.

وأعربت مصادر سياسية بريطانية عن تخوفها من أن يثير التأجيل غضب الملايين من البريطانيين الذين أيدوا الخروج من الاتحاد الأوروبي، كما اعتبرت التوقيت الأكثر واقعية لإطلاق عملية التفاوض الرسمي مع الاتحاد الأوروبي هو أواخر عام 2017.

وأرجعت عوامل ذلك إلى أن الحكومة البريطانية لا تمتلك البنية التحتية اللازمة للأشخاص الذين يجب توظيفهم، أي أنها لم تتمكن بعد من غربلة الكفاءات البشرية القادرة على التفاوض مع الاتحاد الأوروبي وحماية المصالح الاقتصادية للمملكة المتحدة.

وأضافت المصادر أن العامل الثاني هو انشغال فرنسا وألمانيا بالانتخابات البرلمانية في بلديهما في ربيع وخريف السنة المقبلة، مما يزيد من صعوبة التركيز على إجراء مفاوضات جدية بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وقالت المصادر السياسية البريطانية إن المصلحة أو الوزارة التي تم إنشاؤها للتعامل مع مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي يقر بعض المسؤولين والموظفين فيها بأنهم لا يعرفون حتى الأسئلة المناسبة التي يجب طرحها عندما تبدأ المفاوضات مع أوروبا.

ماي تواجه صعوبات عملية كبيرة في الالتزام ببدء تفعيل المادة 50 في بداية العام المقبل (الأوروبية-أرشيف)

ألف خبير
وذكرت تقارير إعلامية أن وزارة التجارة التي يرأسها ليام فوكس -أحد القياديين في حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي- تحتاج إلى توظيف نحو ألف خبير للقيام بمهامها على أكمل وجه، لكنها لم تتمكن حتى الآن سوى من توظيف مئة شخص رغم محاولاتها الحثيثة خلال هذه العطلة الصيفية لملء الفراغ الموجود في الوزارة.

في المقابل، لم يستطع ديفد ديفيس -الوزير الذي يتولى حقيبة الخروج من الاتحاد الأوروبي- توظيف سوى نصف عدد العاملين في وزارته المقدر بنحو 250 موظفا.

وبالعودة إلى العامل الثاني المتعلق بالانتخابات الفرنسية والألمانية، فإن بعضا من نواب المعارضة البريطانية يرون أن التفاوض مع الاتحاد الأوروبي ينبغي أن ينطلق من قاعدة صلبة، وأن يكون التحضير له جيدا.

وفي هذا السياق، يقول عمدة لندن صديق خان "لا يمكنك التفاوض عندما لا تعرف مع من ستتفاوض"، داعيا إلى التريث حتى بعد إجراء الانتخابات الفرنسية والألمانية لإعطاء الرئيس الفرنسي الجديد والمستشارة الألمانية فرصة كافية لتفهم المطالب البريطانية بالرغبة في البقاء ضمن السوق الأوروبية الموحدة ووقف حرية حركة العمالة الأوروبية إلى بريطانيا.

تنفيذ قرار الشعب
وفي رد على التسريبات السياسية باحتمال تأخر مفاوضات الخروج من الاتحاد إلى نهاية العام المقبل، قال متحدث باسم الحكومة البريطانية إن رئيسة الوزراء كانت واضحة جدا عندما أعلنت أن أولوية هذه الحكومة هي أن تنفذ قرار الشعب البريطاني بالخروج من الاتحاد الأوروبي بشكل ناجح.

وأضاف أن رئيسة الوزراء سبق لها أن أوضحت موقفها من المادة 50 من اتفاقية لشبونة، وأنشأت وزارة مخصصة للمضي قدما في المفاوضات، لكن رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي -التي تقضي حاليا إجازتها الصيفية في منتجعات سويسرا السياحية- تواجه أيضا تعقيدات ومشاكل من نوع آخر مع بعض أعضاء حكومتها الجديدة.

ويتلخص المشكل في نشوب صراع سياسي خفي بين وزير الخارجية بوريس جونسون ووزير التجارة الدولية ليام فوكس حول تداخل في مهام وزارتيهما، مع العلم أنهما من معسكر الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون بات طرفا في صراع سياسي خفي داخل الحكومة (رويترز-أرشيف)

ويبدو أن ليام فوكس أراد أن يستفرد ويستأثر بكل ماله علاقة بالسياسة التجارية لبريطانيا مع الاتحاد الأوروبي وبقية دول العالم الأخرى، بينما يرى بوريس جونسون أن ذلك من اختصاصات وزارته، إلى جانب مسائل الدبلوماسية والسياسات الخارجية.

تكهنات تأجيل
وفي هذا الخصوص، قلل بيتر بون نائب دائرة ولنبرة في حزب المحافظين وأحد أعضاء حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، مما وصفه بتكهنات تأجيل المفاوضات، معتبرا أنه من مصلحة تيريزا ماي أن تنكّب في أقرب وقت ممكن على المفاوضات للخروج من الاتحاد الأوروبي.

وقال بون إن ماي ستعمل على إنهاء ملف الخروج ووضعه جانبا لتتفرغ بعد ذلك لحملة الانتخابات العامة المقبلة مع نهاية عام 2019، ومن مصلحتها أيضا أن تحقق نجاحا سياسيا في الإبحار ببلادها إلى بر الأمان قبل خوض الانتخابات العامة.

من جهتهم، يرى محللون بريطانيون أن التأجيل أو المماطلة في اتخاذ قرار حاسم قد تكون له تداعيات سلبية ليس فقط على بريطانيا وحدها، بل على تماسك دول الاتحاد الأوروبي أيضا، وهي الدول التي تسعى لإغلاق الملف البريطاني بأسرع وقت ممكن.

وبرر المحللون ذلك بتفادي دعاوى الانسلاخ عن الاتحاد التي انبرت لها أحزاب يمينية متطرفة تخطط وتطالب بها في دول عديدة مثل فرنسا وهولندا وغيرهما.

المصدر : الجزيرة