بعد أن منعتهم ضرورات الحياة الصناعية من الترعرع رفقة آبائهم، جنح ستون مليون طفل صيني نحو العزلة والاكتئاب، وبدا أن الفجوة العاطفية تشوه وعيهم وتدفعهم إلى اليأس والانخراط في الجريمة وحتى الإقدام على الانتحار.

علي أبو مريحيل-بكين 

عانت الصين خلال العقود الماضية من فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء، وكان ذلك نتيجة حتمية للتنمية الاقتصادية السريعة التي شهدتها البلاد.

هذا الواقع دفع ملايين العمال إلى الهجرة من الأرياف إلى المدن الصناعية لتحسين ظروفهم المعيشية، مخلفين وراءهم أكثر من ستين مليون طفل بلا رعاية أسرية، في ظاهرة يُنظر إليها على أنها الأكثر مأساوية والأشد قسوة بحق الطفولة في العالم.

ووفق إحصاءات وزارة التنمية، يوجد في الصين 61 مليون طفل لا يتمتعون برعاية الأبوين، وهم يمثلون 22% من إجمالي عدد الأطفال في البلاد.

وتشير الأرقام إلى أن 40% منهم دون سن الخامسة و70% لا يرون آباءهم سوى مرة واحدة بالعام، وأن 79% منهم أسندت رعايتهم إلى الجد والجدة، و13% أودعوا عند الأقارب والأصدقاء، و7% لا يخضعون لأية رقابة.

وقالت الباحثة الاجتماعية لونغ يي إن الثورة الصناعية التي شهدتها الصين دفعت سكان الريف إلى الهجرة باتجاه المناطق الحضرية.

ونظراً للنظام الصيني الذي لا يتيح للأسر التمتع بـالرعاية الاجتماعية إلا في مسقط رأسهم، اضطر العديد من الآباء لترك أطفالهم في المناطق الريفية حيث التعليم المجاني والرعاية الصحية.

فجوة عاطفية
وأضافت لونغ يي لـالجزيرة نت أن غياب الآباء أحدث فجوة عاطفية وولد شعورا لدى الأطفال بالدونية، لذلك أحجم العديد منهم عن الالتحاق بالمدارس، وفضلوا البقاء وحدهم بعيدا عمن هم في أعمارهم ويتمتعون برعاية أسرية كاملة، وذلك تجنبا للتمييز وهروبا من واقعهم المأساوي.

وأشارت الباحثة الاجتماعية إلى أن ما سبق كفيل بخلق جيل مشوه لديه استعداد كبير للتوجه نحو العنف والمشاركة في أنشطة إجرامية، والإقدام على الانتحار نتيجة الاكتئاب.

وأوضحت أن التقارير البحثية تشير إلى أن 37% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 14-16 سنة فكروا بالانتحار، و12% خططوا مرة واحدة لذلك، و%6 حاولوا نحر رقابهم لكنهم فشلوا.

في ظل غياب الأمهات تقوم الجدات برعاية الأطفال في الريف الصيني (الجزيرة)

وأضافت أن لدى الأطفال فرصة بنسبة 60% ليفكروا بالانتحار في ظل غياب الأبوين عن المنزل.

وذكرت مديرية الشرطة بالعاصمة بكين -في تقريرها الدوري حول معدل الجريمة في البلاد- أن 6% من الحوادث الجنائية هذا العام ارتكبها أطفال لا يتجاوزون الـ15 وهم ممن يعيشون بالأرياف دون آبائهم، وأن 13% من الجرائم ارتكبت بحق أطفال من نفس الفئة، و7% من هؤلاء الأطفال تعرضوا لاعتداءات جنسية.

حالات انتحار
وحول حالات الانتحار، ورد في التقرير أن 35 طفلا انتحروا بين عامي 2015-2016.

يُشار إلى أنه في الأول من يناير/كانون الثاني 2015 قام طفل صيني في مقاطعة سيتشوان بتناول مبيد حشري بعد أن اتصلت به أمه لتخبره أنها لن تتمكن من قضاء عطلة رأس السنة معه بسبب سفرها إلى الخارج.

وفي أكتوبر/تشرين الأول من نفس العام قام ثلاثة طلاب بعملية سطو مسلح على مدرسة ابتدائية في مقاطعة غوانغ شي، مما أدى إلى مقتل مشرفة وإصابة آخرين، وذلك بغرض السرقة للتمكن من الذهاب إلى مقهى إنترنت.

هذا ويؤكد أخصائيون في مجال علم الاجتماع ضرورة أن تخضع الأسر الصينية في القرى والأرياف إلى دورات تثقيفية للاطلاع على كيفية التعامل مع مثل هذه الحالات.

ومن الصعب تدارك هذا الأمر عن طريق إخضاع الأبوين للالتزام برعاية أبنائهم نظراً لنمط الحياة الصينية لأن الثمن سيكون ارتفاع معدل البطالة واتساع الفجوة القائمة بين طبقات المجتمع.

ويعتبر آخرون أن هذا الواقع إجحاف بحق الطفولة، متسائلين " كم طفلا يجب أن يقتل حتى تُعبّد الطريق وتُسد الفجوة بين الفقراء والأغنياء داخل المجتمع الصيني؟".

المصدر : الجزيرة