في جعبة الرجل الستيني الكثير من المعلومات السياحية والتاريخية والاجتماعية المتعلقة بشؤون قريته في طولكرم وعاداتها وتقاليدها.. كان يحكي بأدق التفاصيل حول معالمها الأثرية الثلاثة التي تطوق عنقها من الجوانب كافة.

عاطف دغلس-طولكرم

لا تدل نحالة جسمه قط على المهمة التي أوكلت إليه أو أوكلها لنفسه، مشقة البحث في الجبال وإرشاد الزوار ليست أقل عناء من عمله كمهندس مساحة يجوب الأرض طولا وعرضا ليبين للمواطنين حدود أراضيهم، فكيف إذا كانت المساحة هي البحث عن جذور التاريخ والتراث.

يقف إبراهيم عبد الفتاح كتانة (أبو عبد الله) على رأس كل وفد سياحي أو إعلامي ليطلعه على معاناة تعيش قريته النزلة الشرقية في طولكرم فصولها واحدا تلو الآخر، تبدأ بالاحتلال وتنتهي بتقصير الجهات الفلسطينية.

في جعبة الرجل الستيني الكثير من المعلومات السياحية والتاريخية والاجتماعية المتعلقة بشؤون القرية وعاداتها وتقاليدها.. كان يحكي بأدق التفاصيل حول معالمها الأثرية الثلاثة التي تطوق عنقها من الجوانب كافة.

القصير والمكحل وخربة الحمام.. ثلاث ممالك أثرية بعضها يظهر للعيان وآخر أتت عليه عوامل المناخ فطمرته تحت الأرض، وثالث يكافح ليبقى ظاهرا ويبحث عمن يدعم صموده.

قصر هيلانة
تقول معلومات تاريخية يحفظها أبو عبد الله عن ظهر قلب إن موت أحد أبناء القديسة الرومانية هيلانة حال دون إكمالها بناء القصر الضخم الذي تود تشييده هناك في القرن الثاني قبل الميلاد، والذي نسبت القصير إليه، بيد أن معالم أخرى كالمعبد ومصنع الزجاج ومعاصر النبيذ والزيتون وبعض الكهوف التي استخدمت كمساكن؛ لا تزال تظهر آثارها إلى الآن.

أبو عبد الله يشرح لباحثين أبرز معالم قريته الأثرية (الجزيرة)

يضيف الرجل أنه في القرن السابع الميلادي تعرضت القصير لزلزال شديد أدى إلى لهدم وطمر جُلّ معالمها، وهو الحال ذاته لخرب الحمام والمكحل القريبتين، وصارت المعالم الثلاثة تنشد زلزالا بشريا ينهض بها.

يسرد أبو عبد الله كلامه ليحيك قصصا جميلة استسقى كمّا من معلوماتها من كتاب "بلادنا فلسطين" لمصطفى الدباغ ومن كتب الفتوحات الإسلامية، إذ تأخذ القراءة جزءا كبيرا من وقته.

تُظهر أشجار الزيتون الرومي التي تحيط بالثالوث الأثري في النزلة الشرقية عمقَ المكان تاريخيا وجغرافيا، وتأخذ تلك الخرب لنفسها مكانا مميزا على قمم الجبال، ويلمح الزائر إذا ما أحدق النظر بعض مدن فلسطين التاريخية الساحلية مثل أم خالد وتل الربيع، وبعضا من الهواء الرطب يؤكد الشعور ذاته.

يضير أبو عبد الله ومواطنون من القرية قلةُ الاهتمام الرسمي بمعالمهم الأثرية، ولا يجدون مبررا للحيلولة دون إعمارها والتنقيب عن آثاراتها، ويسعون لتشجيع السياحة في قريتهم بما يسهم في تطويرها وخلق فرص عمل لكثيرين.

ويقطن النزلة (التي نزل إليها أهلها قبل عشرات السنين قادمين من قرية صيدا المجاورة) ثلاثة آلاف نسمة، يعمل بعضهم في الزراعة وآخرون في الوظائف الحكومية وداخل الخط الأخضر، وآخرون لديهم مزارع نحل تسهم إلى حد كبير في تحسين دخلهم ومعيشتهم.

خربة الحمام أحد المعالم الأثرية في قرية النزلة الشرقية (الجزيرة)

بعثات تنقيب
لهذا يسعى رئيس المجلس القروي رشاد كتانة جاهدا لتوفير ما يمكّن الأهالي داخل قريتهم، ببعثات عالمية للبحث والتنقيب، خاصة أنهم تلقوا وعودا بذلك من وزارة السياحة والآثار الفلسطينية.

ومثل هذا التنقيب تحتاج إليه مناطق أثرية فلسطينية عدة حسب تأكيد كتانة، فهو أفضل رد على ادعاءات الاحتلال الذي يقحم نفسه بين الفينة والأخرى في تلك المناطق بحثا عما يشير إلى وجوده هنا، ويدعي ذلك زيفا.

أشجار الزيتون الرومي تدل على عمق المكان تاريخيا وجغرافيا (الجزيرة)

أضف إلى ذلك -والكلام للمسؤول كتانة- ما يقوم به مستوطنو حرميش الجاثمة على أراضيهم منذ قرابة أربعة عقود، حيث يتسللون إلى تلك المناطق ويهاجمون المواطنين لا سيما رعاة الأغنام، ويلقون بمياه مجاريهم في أراضي الفلسطينيين.

هنا يستمر أبو عبد الله في حربه بكل الطرق منعا لتسريب أي أثريات من قريته، فهناك "لصوص آثار" يقدمونها للمحتل على طبق من ذهب، ناهيك عن زيارات لطلبة جامعات يهود يأتون إلى تلك المناطق للبحث والتنقيب، كما يضيف.

يبدد خوفَ الرجل وعود المسؤول الأكبر محافظ طولكرم عصام أبو بكر بتأكيده للجزيرة نت أنهم يسعون لدحض رواية الاحتلال الإسرائيلي بكل الوسائل، ويوضح أن لديهم -وبالتعاون بين وزارتي الإعلام والآثار وحراك المواطنين- خططا إستراتيجية لدعم تلك المناطق والنهوض بها.

المصدر : الجزيرة