الأوساط التي تؤهل المتشددين لتنفيذ الهجمات تعلن سخطها على مساجد فرنسا وتتهمها بتبني خطاب ديني مائع ومهادن للسلطة، لكن هذا لم يشفع للمنابر في باريس ومدن أخرى، حيث تستهدفها الحكومة بالإغلاق ويتهمها المسؤولون والسياسيون بنشر التطرف في البلاد.

أعلن وزير الداخلية الفرنسي برنارد كازنوف أنه تم إغلاق ما لا يقل عن عشرين مسجدا ومصلى في البلاد منذ ديسمبر/كانون الثاني الماضي، وكشف عن اتخاذ الإجراءات القانونية لطرد نحو ثمانين شخصا، بينهم أئمة مساجد اتهموا بتبني خطاب متشدد والدعوة  للكراهية.

ولا تعدّ مثل هذه القرارات جديدة؛ فالجدل بشأن المساجد ودورها في المجتمع، والخطاب الديني المتبنى داخلها، موضوع قديم في فرنسا، ويعود إلى الواجهة بعد كل هجوم مسلح تشهده البلاد أو بعد وقوع مشاكل تتعلق بالهجرة والاندماج.

وتأتي القرارات الجديدة في سياق أمني وسياسي متوتر، حيث تتوالى تصريحات السياسيين، خاصة اليمينيين ودعواتهم إلى المزيد من التضييق على المساجد وحتى إغلاقها.

وعقب هجوم نيس و"إتيان دي روفريه" دعت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبين إلى ''غلق كل المساجد المحسوبة على التيار السلفي دون استثناء''.

وهذه الدعوة رددها الكثير من السياسيين الآخرين من اليمين وحتى من اليسار الاشتراكي.

وهذه المواقف تترك مخاوف كبيرة لدى نحو ستة ملايين مسلم في فرنسا، يخشون الخلط بين الإسلام والإرهاب، وهو ما قد ينتج عنه استهدافهم ومؤسساتهم من مساجد وجمعيات.

و عبر إمام مسجد بانتان في الضواحي الشمالية لباريس محمد حنيش عن خشيته من أن يكون المسلمون ومساجدهم حطب الحملات الانتخابية الرئاسية المقبلة.

ورأى حنيش أن السياسيين الفرنسيين يبحثون عن أكباش فداء يحملونها المسؤولية بعد زيادة وتيرة العمليات الإرهابية في فرنسا، على حد قوله، ولهذا يوجهون أصابع الاتهام إلى المساجد ومسؤولي الجمعيات التي تمثل المسلمين.

حنيش: أغلب مسؤولي المساجد يسعون لمساعدة الدولة الفرنسية في مواجهة التطرف (الجزيرة)

تأطير الشباب
وأكد إمام مسجد بانتان أن أغلب مسؤولي المساجد يسعون إلى مساعدة الدولة في تأطير الشباب المسلم ومنعه من الالتحاق بالتيارات المتشددة.

وأضاف حنيش أن أغلب الخطب مراقبة ومسجلة، وكل الأئمة يعلمون أن مجرد التلميح لأي خطاب متطرف سيكلفهم الترحيل مباشرة من فرنسا، "ولا يجازفون بذلك".

وشدد حنيش في هذا الإطار على أن التحقيقات الأمنية والقضائية أثبتت براءة المساجد، حيث لم تطأ أقدام أغلب الشباب الذي نفذوا عمليات إرهابية المساجد الفرنسية، بل قال إنهم يعدونها تروج لخطاب ديني مائع موال للسلطات، وتساءل: كيف تتحمل المساجد مسؤولية تلك العمليات ويتم غلق بعضها؟

ورأى حنيش أن منبع التطرف حاليا في فرنسا ليس المساجد، بل ما وصفه "بالإمام غوغل". في إشارة إلى المعلومات الغزيرة التي يمكن الحصول عليها عبر محرك البحث الشهير على الشبكة العنكبوتية.

وقال إن الشباب المتشدد يجد ضالته في الإنترنت، حيث توجد المواقع التي تدعو إلى "إسلام عنيف يحرض على القتل والمواجهة، وهو ما لا يوجد في المساجد التي تبث خطابا وسطيا".

من جانبها، ترى عضو مجلس الشيوخ الفرنسي بريزة خياري أن شبكات الإنترنت باتت هي الأخطر اليوم في استقطاب الشباب.

خياري: فرنسا لا يمكن أن تقبل على أرضها أئمة ودعاة متشددين (الجزيرة)

صراع ثقافي
وتلاحظ أن الدولة الفرنسية والجمعيات المسلمة لم تنجحا في التصدي للخطر القادم من الشبكة العنكبوتية، وأكدت خياري أن فرنسا تحتاج في هذا الإطار إلى خوض صراع ثقافي، بالإضافة إلى نشر خطاب ديني مضاد للتطرف.

لكنها توافق على قرار غلق المساجد وبيوت الصلاة التي لا تحترم أسس وقوانين الدولة الفرنسية، على حد تعبيرها.

وقالت بريزة خياري إن فرنسا لا يمكنها أن تقبل على أرضها أئمة ودعاة متشددين يدعون لغير التعاليم السمحاء للإسلام، مؤكدة ضرورة التصدي لما وصفته بخطر التشدد قبل أن يزيد في التفشى ويذهب ضحيته المزيد من الشباب والفرنسين.

يشار إلى أن السلطات الفرنسية أقرت خطة لإصلاح المؤسسات التي تشرف على شؤون الإسلام في البلاد؛ بهدف الوصول إلى "نشر إسلام معتدل يتوافق مع قيم العلمانية".

وتنص الخطة على منع التمويل الأجنبي للمساجد، وإنشاء هيئة جديدة تعنى بشؤون الإسلام، بالإضافة إلى مراجعة وتطوير طرق تأهيل الأئمة والخطباء، واشتراط تمكنهم من مبادئ العلمانية واللغة الفرنسية.

المصدر : الجزيرة