رغم تتابع بيانات المنظمات الحقوقية الدولية المختلفة محملة النظام المصري بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 المسؤولية الكاملة عما خلفته عملية فض الميدانين التي سقط فيها مئات القتلى وآلاف المصابين لم يكترث القضاء المصري لأي منها.

عبد الرحمن محمد-القاهرة

تحل الذكرى الثالثة لفض اعتصام ميداني رابعة العدوية والنهضة بينما يواصل القضاء محاكمات المشاركين في الاعتصام في توجه ترى فيه المعارضة ومنظمات حقوقية إمعانا من الحكومة المصرية في الهروب إلى الأمام والتنصل من المسؤولية.

ولا يزال القضاء المصري محل انتقاد لإصراره على معاملة المشاركين في الاعتصام باعتبارهم جناة تسببوا في ما سقط من قتلى ومصابين وحل من دمار وخراب جراء تلك الأحداث.

ورغم تتابع بيانات منظمات حقوق الإنسان الدولية المختلفة التي تحمّل سلطات النظام المصري بعد انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013 المسؤولية الكاملة عما خلفته عملية فض الميدانين التي سقط فيها مئات القتلى وآلاف المصابين لم يكترث القضاء المصري لأي منها.

ولا يزال القضاء المصري -الذي تصفه أغلب التقارير الحقوقية بأنه "مسيس"- يتابع النظر في قضايا تتهم رموزا وأفرادا معارضة شاركت في هذا الاعتصام وفقد بعضها أقرب ذويه أثناء عمليات الفض بارتكاب المجازر التي نتجت عن عمليات الفض متجاهلة أي اتهام موجه لمؤسسات السلطة حينها.

ويرى مراقبون وحقوقيون أن النظام المصري يسعى من خلال هذا للتنصل الكامل من مسؤولياته تجاه تلك الأحداث المجرّمة دوليا وقطع الطريق أمام أي محاولة لتحميلهم تبعات تلك الأحداث عبر كيل تلك التهم لرموز وقيادات معارضيه والإلهاء بالسعي لنفي تلك التهم وردها.

مصطفى عزب: منذ الانقلاب لم يفتح أي تحقيق بجرائم الأجهزة الأمنية (الجزيرة)

انسداد وتسييس
مسؤول الملف المصري بالمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا مصطفى عزب يرى أن هذا الأمر "هو انعكاس واضح لحالة الانسداد والتسييس التي يعاني منها نظام العدالة المصري، بالإفلات التام من العقاب لكل مرتكبي المجازر والجرائم ضد الإنسانية في مصر".

وتابع في حديثه للجزيرة نت بأنه "منذ الانقلاب ومرورا بجميع جرائم النظام لم يحاسب فرد أمن واحد، ولم يفتح تحقيق جاد في أي من جرائم الأجهزة الأمنية بحق المعارضين، بينما في المقابل تجد ضحايا تلك الجرائم ومن نجا من القتل متهما بارتكاب جرائم خطرة أمام ذات المنظومة التي وفرت الحماية للمجرم".

وأشار إلى أن النظام لديه عشرات الآلاف من المعتقلين والمطلوبين على خلفية قضايا معارضة السلطات، وهو بحاجة إلى تلفيق كم ضخم من التهم لهؤلاء الأشخاص، حتى وإن كانت عبثية أو غير منطقية، على حد قوله، وهو يسعى لفرض أمر واقع فيما يتعلق بتلك الجرائم حتى يتسنى له التفاوض عليها إن طرح التفاوض في وقت ما وفق تقديره.

في هذا السياق، يرى الأمين العام لمؤسسة عدالة لحقوق الإنسان علاء عبد المنصف أن "النظام المصري ومنذ الانقلاب قد حدد طريقه بالتخلص من جميع من شارك في ثورة 25 يناير 2011، والتعامل معهم بالمعادلة الصفرية".

سلمى أشرف: هناك حالات وثقتها المنظمة لأشخاص قتلوا نتيجة التعذيب بعد إخفائهم قسريا (الجزيرة)

العدالة الموؤودة
ويضيف عبد المنصف في حديثه للجزيرة نت "النظام يتعمد إخفاء جرائمه ومجرميه، لأنه يعلم أن هذه الجرائم هي جرائم ضد الإنسانية ولا تسقط بالتقادم، وبالتالي يستخدم كل السبل القمعية لوأد العدالة ومنع أي تحرك من القوى المعارضة له، حتى لا تتم محاسبته محاسبة مباشرة عن هذه الجرائم".

ولفت إلى أن أبرز القضايا المنظورة في هذا الشأن هي قضايا "فض اعتصام رابعة، وغرفة عمليات رابعة، والمنصة، والحرس الجمهوري ومذبحة مسجد القائد إبراهيم"، مشددا على أن جميعها "لا يستند على أسانيد قانونية سليمة" وهي منظورة أمام دوائر الإرهاب ومحاكم عسكرية.

من جهتها، اعتبرت مسؤولة الملف المصري في منظمة هيومن رايتس مونيتور سلمى أشرف أن "القضاء المصري لم يعد حرا نزيها، وإنما هو موجه ويستمد تعليماته من وزارة الداخلية ويعتمد على تحريات الأمن في تهم هي في الأساس موجهة ضد المؤسسة الأمنية وبناء على تقارير محايدة".

وقالت أشرف في حديثها للجزيرة نت إن القضاء الآن يصر على تجاهل آلاف الشكاوى التي تصل النائب العام والقضاء من ذوي الضحايا، مشيرة إلى أن أي حكم يصدر من قبل تلك المحاكم باطل لعدم تحلي المحاكم بالاستقلالية التامة أو بتوفيرها أقل المعايير الخاصة بالمحاكمة العادلة للمتهمين وفق تعبيرها.

ولفتت الحقوقية المصرية إلى أن منظمات حقوق الإنسان وثقت مختلف تلك الجرائم، إلا أنها لا تتوقع أن تحاكم السلطات نفسها، ولذلك كان لا بد من رفع قضايا دولية لتحريك المجتمع الدولي "سعيا لمحاكمة السلطة التي فرضت نفسها على المواطنين وقتلت أبناء الوطن الواحد".

المصدر : الجزيرة