دون ضجيج يذكر، مرت مجزرة جديدة لقوات النظام السوري، ومرة أخرى تمكن النظام من جني ثمار جرائمه، فما تخلفه المجازر من قتلى وجرحى ودمار واسع يزرع في نفوس المدنيين أثرا قد يحقق للنظام إنجازات يصعب الوصول إليها عبر المعارك.

محمد عيسى-الجزيرة نت

بدأ مقاتلو المعارضة السورية المسلحة بإخلاء مقراتهم في مدينة جيرود في القلمون الشرقي في ريف دمشق تنفيذا لشروط فرضها النظام عليهم، تحت طائلة معاودة قواته قصفها للأحياء السكنية في المدينة، وذلك بعد أيام من مجزرة مروعة ارتكبتها قواته عبر إمطار المدينة بالصواريخ والبراميل المتفجرة والقذائف.

استمر القصف عدة ساعات -وفق مصادر محلية- وخلف 45 قتيلا في صفوف المدنيين، بينهم مدير المركز الطبي الوحيد في المدينة وطبيب عامل في المركز، بالإضافة إلى أكثر من 250 جريحا، وذلك بعد يوم واحد من قتل طيار سقطت طائرته في أطراف المدينة أو أسقطت من قبل المعارضة المسلحة.

فالمعارضة المسلحة، ممثلة بفصيل جيش الإسلام، تبنت رسميا إسقاط الطائرة، وقالت إنها أسرت قائدها وبثت تسجيلا مصورا يظهره على قيد الحياة، أما وكالة سانا الرسمية للأنباء فقالت إن الطائرة من طراز "ميغ 23" وسقطت بسبب خلل فني.

لم تمض ساعات حتى أصدر فصيل جيش الإسلام بيانا يقول فيه إنه فوجئ بقيام عنصر من جبهة النصرة بقتل الطيار، وأوضح البيان أن جيش الإسلام كان قد حصل على تعهد من غرفة العمليات المشتركة بتسليمها الطيار الذي كان بحوزتها، وطالب البيان جبهة النصرة بتسليم جثة الطيار وتفسير ما حدث.

صور نشرتها المعارضة للطيار السوري الذي أسقطت طائرته (ناشطون)

ووفق الناشط الإعلامي في القلمون الشرقي زكريا الشامي فإن رد النظام لم يتأخر كثيراً، فمع بزوغ فجر اليوم التالي شنت طائراته أكثر من ستين غارة خلال ساعات، استهدفت الأحياء السكنية والمركز الطبي الوحيد في المدينة، بالإضافة إلى مدارس ومساجد.

وتزامنت الغارات مع قصف صاروخي ومدفعي عنيف من قبل قوات النظام لم تشهد له المدينة مثيلا منذ بداية الثورة السورية.

ويقول الشامي إن النظام استغل قتل الطيار ليصفي حساباته مع المدينة الخارجة عن سيطرته منذ سنوات، ومع المعارضة المسلحة التي تسيطر عليها، وذلك رغم هدنة غير معلنة بين الطرفين، فبعد أن أكملت طائراته ومدفعيته المجزرة، وقبل أن يكتمل إسعاف الجرحى وإخلاء جثث القتلى من تحت الإنقاض، اشترط النظام تسليم جثة الطيار مقابل وقف القصف.

ووافقت المعارضة المسلحة على شرط النظام وتم تسليم الجثة عبر وسطاء محليين، لكن النظام أضاف تسليم قاتل الطيار إلى شروطه، وهو ما رفضته جبهة النصرة التي ينتمي إليها المقاتل، ليعود التوتر إلى المشهد ويستأنف النظام تهديداته بمعاودة القصف.

ومع استمرار مساعي الوسطاء، بدل النظام مطالبه إلى إخلاء المدينة من مقرات الفصائل المسلحة، وخاصة جبهة النصرة وأحرار الشام، وخرجت مظاهرات في المدينة تطالب الفصائل بتجنيب المدنيين مجازر أخرى قد ترتكبها قوات النظام، إذا لم تتم الاستجابة لشروطه.

بيانا جيش الإسلام وجبهة النصرة (ناشطون)

ومن جانبها، أصدرت جبهة النصرة بياناً أوضحت فيه أن مقاتلها تصرف دون علم قادته أو أمرهم، وأكدت أنها جردته من سلاحه وأوقفته بعد الحادث مباشرة، لتقوم بمحاسبته، لكن احتمال معاودة النظام قصف المدينة بقي قائماً، فاستمر الضغط على الفصائل لإخلاء المدينة، وخاصة جبهة النصرة، التي لا تملك سوى مقر في أطرافها.

ولم تجد الفصائل مفراً من الموافقة على مطلب النظام تحت ضغط حاضنتها الشعبية الخائفة من مجازر جديدة، وفق مصادر المعارضة المسلحة. وبالفعل، أغلقت جبهة النصرة مقرها الوحيد في أطراف المدينة وبدأت الفصائل الأخرى بإخلاء مقراتها.

وبرأي الناشط زكريا الشامي فإن هذه المجازر المروعة، التي مرت دون ضجيج أو استنكار يذكر، حققت للنظام ما عجز عن تحقيقه خلال سنوات، حيث تمكن للمرة الأولى من خلق فجوة بين الفصائل المسلحة في جيرود وحاضنتها الشعبية.

المصدر : الجزيرة