رائد فقيه-الأمم المتحدة

قد تكمن كلمة السر في حدود الخطوات الروسية الجديدة في حلب بالربط الذي قام به وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو بين سياسة "الممرات الآمنة" في حلب ورفض الولايات المتحدة فصل "المعارضة المسلحة المعتدلة" عن "الإرهابيين" رغم قدرتها على ذلك.

فهذا الربط بما يحمله من تكريس لحصار  ثاني أكبر المدن السورية يشكل من جهة ضغطا هائلا على الشريك الآخر في رعاية عملية السلام السورية وهو الولايات المتحدة لتقديم تنازلات أكبر من التي قدمت في السابق، ولكن من جهة أخرى قد يحمل ضمانة مؤقتة بأن روسيا لن تتجاوز الخط الأحمر المتعارف عليه بين الراعيين وهو عدم اعتماد الحل العسكري للأزمة، أي عدم إسقاط حلب من يد المعارضة بقوة السلاح.

وهي الرسالة التي تبدو الولايات المتحدة قد تلقفتها سريعا، وردت عليها على لسان وزير الخارجية بتأكيده أن ممارسة روسيا الخداع في طروحاتها حول حلب ستعني سقوط الشراكة بين البلدين لحل الأزمة السورية "ولكن إذا ما سقطت هذه الشراكة، فما النتائج؟".
 
للإجابة عن السؤال لا بد من الإشارة لنقطتين، الأولى أن اثنين من المسؤولين في روسيا لا يختلفان على القناعة بأن موسكو هي المنتصرة في سوريا، بعدما تحولت إلى قبلة لكل الدول الراغبة بالحل السلمي في سوريا بمباركة أميركية.

ومن هنا يسأل مصدر روسي على علاقة بملف سوريا عن السبب الذي يدفع بلاده للتنازل في سوريا, مؤكدا أن العقدة في سوريا ليست الأسد ومصيره، فروسيا كانت منذ اليوم الأول لتدخلها واضحة بالقول إنها تسعى للمحافظة على المؤسسات وليس الأشخاص، على عكس إيران التي لها مصالح قد تتقاطع وقد تتضارب لاحقا مع روسيا.

انعدام الثقة
المشكلة الرئيسة -وفق هذا المصدر- هي الثقة بين موسكو وواشنطن, والثقة هنا في العلاقة بين البلدين لا تقف حدودها عند سوريا، بل تمر بالأزمات التي سبقتها كالعلاقة بين موسكو وحلف الناتو، ولا تنتهي عند العقوبات الغربية على موسكو المفروضة بسبب الأزمة في أوكرانيا.

أما النقطة الثانية فتعود إلى البند الضمني الأقوى في مذكرة الدبلوماسيين الأميركيين المحتجين على سياسة بلادهم في سوريا وتخوفهم من عدم وجود "الإرادة الحقيقية" للإدارة الأميركية للخوض في الأزمة السورية وتعقيداتها بمعزل عن صوابية أو خطأ هذه السياسة.

وإذا ما تم ربط المشهد بين النقطتين فإن انفراط عقد الشراكة في التعامل السياسي والميداني بين طرف "منتصر" و آخر "فاقد للرغبة" قد لا يعني بالضرورة أي تغييرات إلا المزيد من الضغوط على الطرف الأضعف، خصوصا وأن الدبلوماسية الأميركية لم تترك فرصة للتأكيد بأن الخطة البديلة عن الحل الدبلوماسي في سوريا هي الحل الدبلوماسي.
                                                                                                              
وللإبقاء على هذا التوازن في المستقبل، تتسارع الخطوات الروسية في سوريا بشكل يبدو متسقا مع وقائع ومجريات الانتخابات الرئاسية الأميركية، بصورة تبدو أنها تسعى إلى الحد من هامش المناورات الأميركية في سوريا إلى أقصى درجة ممكنة مع حلول موعد انتقال الإدارة الجديدة إلى البيت الأبيض.

ولتقييد الإدارة الجديدة، لا تستبعد بعض المصادر الدبلوماسية الغربية المعنية بالملف أن تسمح القوات الروسية بالتزامن مع انشغال الأميركيين بانتخاباتهم الرئاسية بعمليات عسكرية واسعة تتجاوز الخطوط الحمراء الضمنية بين موسكو وواشنطن بما في ذلك اعتماد الحلول العسكرية في بعض المناطق، إلا إذا تم التوافق بين البلدين على "الشيطان الذي يكمن في التفاصيل" خلال المفاوضات المتواصلة بينهما على مستوى الخبراء في جنيف.

المصدر : الجزيرة