خليل مبروك-إسطنبول

غيرت محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في 15 يوليو/تموز الجاري وما تبعها من ارتدادات على خريطة العلاقات الحزبية التركية، غيرت كثيرا من القواعد التي ظلت تحتكم إليها لعبة السياسة والقانون في البلاد.

فقد شهدت علاقة حزب العدالة والتنمية الحاكم وأحزاب المعارضة الرئيسية تحسنا لافتا عقب وقوف الأخيرة في وجه محاولة العسكر للإطاحة بالرئيس رجب طيب أردوغان، وإعلانها الصريح تمسكها بالشرعية الديمقراطية التي تفرزها آليات الانتخاب في البلاد.

وتجاوز تحسن العلاقات بين الحكومة التركية والمعارضين لها مرحلة المواقف والتصريحات إلى الاتفاق على إجراءات وآليات عمل طالما كانت مثار شد وجذب بين الجانبين.

فقد أعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم أن الأحزاب السياسية وجدت أرضية مشتركة كافية لإقرار عدد محدود من التعديلات الدستورية، متعهدا بالحفاظ على أمن واستقرار البلاد.

وجاء إعلان يلدرم عقب قول الرئيس أردوغان إنه اتفق الاثنين الماضي مع زعيمي حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية المعارضين على الخطوات التي ستنفذ لمكافحة ما سموه إرهاب حزب العمال الكردستاني وجماعة فتح الله غولن، أو ما يعرف بالكيان الموازي.

ظل النظام القضائي في تركيا يتمتع بحماية شعبية وفرتها المعارضة العلمانية بشقيها الجمهوري والقومي، والتي كانت تتخذ مواقف مناهضة لأي إجراء تدعو الحكومة لاتخاذه لإخراج القضاء من سلطة الدولة الموازية

أولوية القضاء
ويرجح مراقبون للشأن السياسي التركي أن يكون القضاء على رأس الأولويات التي تعالجها توافقات الحكومة والأحزاب المعارضة، في ظل استمرار فرض حالة الطوارئ التي أعلنت في البلاد في الحادي والعشرين من الشهر الجاري ولمدة ثلاثة أشهر.

فقد قال المحلل السياسي التركي أوكتاي يلماز إن لقاءات أردوغان بأحزاب المعارضة أثمرت توافقا على تعديل الدستور الذي وضع عقب انقلاب عام 1980، مشيرا إلى أن ذلك يتطلب وقتا طويلا نسبيا في ظل الحاجة لتغييرات حيوية سريعة، أهمها ما يتعلق منها بالقضاء.

وأوضح يلماز للجزيرة نت أن التوافقات تمت على إعادة هيكلة مؤسسة القضاء وسلطاته العليا على وجه الخصوص لتطهيره من الكيانات الخارجة عن القانون وضمان مبدأي الحياد والاستقلال في أدائه.

ولفت إلى أن القضاء التركي بحاجة إلى إعادة هيكلة لتجاوز كثير من الإشكاليات التي نجمت عن اختراقه من قبل الكيان الموازي، مؤكدا أن الحكومة حاولت تطهير المؤسسة، لكن نجاحها كان محدودا في ظل غياب التوافقات السياسية.

وكان المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين قد أسقط صبيحة اليوم التالي للمحاولة الانقلابية الفاشلة عضوية خمسة قضاة وأعفى 2745 آخرين من مهامهم مؤقتا، في إطار التحقيقات بانتمائهم "لجماعة الخدمة" التي يقودها المعارض التركي المقيم في ولاية بنسلفانيا الأميركية فتح الله غولن.

حزب العدالة والتنمية قدم لأحزاب المعارضة تنازلا في موضوع النظام الرئاسي يتمثل بتأجيل طرحه ضمن الآليات الدستورية التي سبق أن تحدث عنها عبر البرلمان أو الاستفتاء الشعبي
"
معين نعيم

وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية، ظلت ساحة القضاء التركي ميدانا مفتوحا للنزاع بين الحكومة والجماعة التي نسبت إليها المسؤولية عن محاولة الانقلاب الفاشلة، إلا أن يد الحكومة كانت مكبلة بالدستور الذي يحمي المؤسسة القضائية ويمنع السلطات التنفيذية من اتخاذ أي إجراء يمس بنيتها أو هيكلة مؤسساتها.

وإلى جانب القيود الدستورية، ظل النظام القضائي يتمتع بحماية شعبية وفرتها المعارضة العلمانية بشقيها الجمهوري والقومي، والتي كانت تتخذ مواقف مناهضة لأي إجراء تدعو الحكومة لاتخاذه لإخراج القضاء من سلطة "الدولة الموازية".

تأجيل النظام الرئاسي
ويتفق الكاتب والمحلل السياسي المتخصص بالشأن التركي معين نعيم مع ترجيحات يلماز بشأن أولوية القضاء في تفاهمات الحكومة والمعارضة، قائلا إن التوافقات السياسية تتناول اختيار المجالس العليا للقضاء وآليات اختيار ممثليها كإجراء طارئ مؤقت يسهل عمل الدولة بعد المحاولة الانقلابية، بانتظار تعديل الدستور الذي يتطلب الكثير من العمل.

ورجح نعيم أن يكون حزب العدالة والتنمية قد قدم لأحزاب المعارضة تنازلا في موضوع النظام الرئاسي يتمثل بتأجيل طرحه ضمن الآليات الدستورية التي سبق أن تحدث عنها عبر البرلمان أو الاستفتاء الشعبي.

ولفت نعيم النظر إلى تصريحات رئيس الوزراء يلدرم التي أكد فيها أن حزب العدالة والتنمية اتخذ قراره بشأن النظام الرئاسي وأصبح الأمر بيد المعارضة، مشيرا إلى أن التأجيل يعد جزءا من التوافقات السياسية التي فرضتها أولويات المرحلة وليس تنازلا من الحزب عن قراره.

المصدر : الجزيرة