استقبل الصينيون قبل أيام جثتي جنديين قتلا في المعارك الدائرة في جنوب السودان استقبال الأبطال، وقالت زوجة أحد القتيلين إن ابنها الذي لا يتجاوز العشر سنوات يتطلع لأن يلتحق بقوات حفظ السلام في المستقبل ليصبح بطلا قوميا مثل أبيه.

علي أبو مريحيل-بكين

لم تكن قوات حفظ السلام الدولية من وجهة النظر الصينية سوى ذريعة وغطاء تستخدمه الدول الكبرى للتدخل في شؤون دول أخرى، لذلك كانت الصين -حتى وقت قريب- تعتز بأنها الدولة الوحيدة بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، التي ليس لديها جنود خارج حدودها.

لكن مع تنامي الصين الاقتصادي وبروزها بشكل أكبر على الساحة الدولية لاعبا أساسيا في عدد من الملفات والقضايا الإقليمية، ظهرت الحاجة إلى إجراء تعديلات على سياستها الخارجية تنسجم مع وضعها ومكانتها الجديدة، واستدعى ذلك تعزيز نشاطها وحراكها تحت مظلة الأمم المتحدة، وتصرفها بوصفها دولة عظمى تتجاوز مهامها حدودها الوطنية.

وكان لا بد من توسيع نطاق مفهوم الأمن القومي، ليشمل ضمان الأمن والاستقرار في العالم وحماية المصالح خارج حدود الدولة والسيادة التقليدية، وأفضى ذلك إلى استجابة الصين لأول مرة لنداء الأمم المتحدة عام 1989، حيث أرسلت خمسة مراقبين عسكريين للمساهمة إلى جانب قوات حفظ السلام في مهام خاصة بالهيئة الأممية.

أفراد من البعثة الصينية في جنوب السودان يجرون مناورات عسكرية (الجزيرة)

رفض وحذر
ويقول الباحث في المعهد الصيني للدراسات الدولية جيا شيو دونغ إنه رغم انضمام الصين إلى الأمم المتحدة عام 1971، فإنها استغرقت ثمانية عشر عاماً قبل أن تبدأ بالتصرف كدولة أممية، وهي الفترة التي بقيت فيها معارضة لعمليات حفظ السلام باعتبارها تدخلا في شؤون دول أخرى، وممتنعة عن التصويت على أي قرار ذي صلة في الأمم المتحدة.

وأضاف في حديثه للجزيرة نت أنه حتى حين تخلت بكين عن تحفظها وقررت المساهمة في قوات حفظ السلام، ظلت حذرة واقتصرت مساهمتها على الدعم اللوجستي إلى أن أرسلت لأول مرة عام 2007 ثلاثمئة وثمانين جندياً إلى إقليم دارفور غربي السودان ضمن بعثة أممية.

وأشار دونغ إلى أنه منذ ذلك الحين تمكنت الصين من تحقيق قفزات كبيرة في تاريخ مشاركتها بعمليات حفظ السلام حول العالم.

من جانبه أرجع رئيس قسم الدراسات السياسية في جامعة جينان جيا وو تأخر الصين في المشاركة العسكرية في قوات حفظ السلام إلى أسباب تتعلق بصورتها الخارجية.

وأوضح أنه من غير الممكن أن تقدم الصين فجأة على هذه الخطوة، وهي التي كررت مرارا أن الإقدام على ذلك ذريعة للتدخل في شؤون الآخرين، لذلك كان لا بد من وجود غطاء زمني لإجراء تعديلات تدريجية على مفهوم قوات حفظ السلام وتحريره من قالب التدخلات غير المشروعة.

وقال في حديثه للجزيرة نت إن الصين نجحت في ذلك إلى الحد الذي اعتبرت فيها المشاركة في قوات حفظ السلام الدولية ودعمها لوجستيا وعسكريا وماديا واجبا وطنيا، وهو ما انعكس في زيادة عدد قواتها الذي بلغ نحو عشرة آلاف جندي لتصبح بذلك أكبر مساهم في قوات حفظ السلام بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.

استقبال جرحى من قوات السلام الصينية (الجزيرة)

أبطال قوميون
وينظر داخل المجتمع الصيني إلى قوات حفظ السلام على أنهم جنود استثنائيون، وقد استقبل الصينيون قبل أيام جثتي جنديين قتلا في المعارك الدائرة في جنوب السودان استقبال الأبطال.

وقالت زوجة أحد الجنديين القتيلين إن ابنها الذي لا يتجاوز العشر سنوات يتطلع لأن يلتحق بقوات حفظ السلام في المستقبل ليصبح بطلا قوميا مثل أبيه.

وكان مسؤول في وزارة الدفاع الصينية قد صرح أثناء مراسم الاستقبال بأنه سيتم إضافة اسمي الجنديين إلى لوحة الشرف التي تضم قائمة طويلة من الجنود الذين قضوا في سبيل الدفاع عن قيم السلام في العالم.

يذكر أن الرئيس الصيني شي جين بينغ كان قد أعلن في سبتمبر/أيلول العام الماضي استعداد بلاده للمساهمة بثمانية آلاف جندي في قوات حفظ السلام الدولية، وتعهد بتكثيف المساعدات المالية.

ويرى مراقبون أن مشاركة الصين في قوات حفظ السلام هي محاولة من بكين لإبراز طابع إنساني يبدد الشكوك التي تحيط بدورها ومصالحها المتنامية في عدد من الدول الأفريقية.

المصدر : الجزيرة