عوض الرجوب-الخليل 

يحتفظ الفلسطينيون في ذاكرتهم بكثير من مشاهد الدمار والقصف والجرافات العسكرية التي تهدم المباني وتنبش الركام بحثا عن جثث مقاومين، لكن مشهد الليلة الماضية في بلدة صوريف شمال الخليل جنوب الضفة الغربية كان بطله رجل مثل بسيرته الفلسطينيين دون تعصب حزبي.

فحكاية الشهيد محمد الفقيه (30 عاما) مختلفة عن حكايات كثير من الشهداء الذين سبقوه، لكنها متوافقة تماما مع الحالة الفلسطينية العامة وسمات شهداء هبة الأقصى، حيث غابت النعرة الفصائلية والحزبية، وتوحد المقاومون خلف قضيتهم ومع الأقصى ضد عدو واحد بعيدا عن الاعتبارات الفصائلية.

وحدات الإعدام
بدأت وحدات الإعدام في جيش الاحتلال ملاحقة الفقيه في اليوم التالي لعملية أدت إلى مقتل مستوطن جنوب مدينة الخليل مطلع يوليو/تموز، وحاصرت منازل ذويه، لكنها لم تنجح في القبض عليه، واعتقلت عددا من أقاربه وبعض من اتهموا بمشاركته في العملية، خلال حملات مداهمة وتفتيش ليلية لم تتوقف منذ عدة أسابيع.

ومِثل كثير من المناضلين، تجرع الفقيه مرارة الاعتقال في سجون الاحتلال خمس سنوات، كما عانى مرارة الانقسام بالملاحقة والاعتقال من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية، وكان آخرها استدعاؤه في الأسبوع الذي سبق تنفيذه العملية التي طورد واستشهد على إثرها.

وتحمِلُ مسيرة الفقيه في طياتها كثيرا من الدروس، فقد التحق بجامعة النجاح لدراسة الرياضة عام 2006، لكنه لم يتم حُلمه فاعتقل لخمس سنوات، ثم أفرج عنه عام 2011 لتستقبله بعد أقل من شهر السجون الفلسطينية و"تستضيفه" أربعين يوما، ثم تواصل استدعاءه حتى الأسبوع الأخير قبل استشهاده.

ورغم الملاحقات، اجتهد الفقيه، وهو من بلدة دورا جنوب الخليل، في حياته العملية، فالتحق بجامعتي القدس المفتوحة وبولتيكنك فلسطين، ودرس الإدارة والمحاسبة، وعمل في شركة محلية للاتصالات، ثم تزوج  قبيل استشهاده بقليل وترك زوجته في أول حمل لها.

بدأ الشهيد حياته عضوا بحركة الجهاد الإسلامي، لكنه التحق خلال اعتقاله في السجون الإسرائيلية بصفوف حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أما عمليته الأخيرة فشاركه فيها عنصر بجهاز الأمن الوطني الفلسطيني، وبعد استشهاده تبنته كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس.

مكان اغتيال الشهيد الفقيه في بلدة صوريف مساء الثلاثاء (الجزيرة)

خيار شهيد
وفي مركز ثقافي لا يبعد سوى مئات الأمتار عن منزله ببلدة دورا التي عمها الإضراب حدادا على مقتله، أعلنت عائلة الفقيه أنها ستستقبل المعزين أو "المهنئين"، وهي التسمية المفضلة لذوي الشهداء، وهناك تسابقت الفصائل لرفع أعلامها ونعي الشهيد، وتليت عبر مكبرات الصوت خطب الوفاء والوعيد من مختلف الفصائل والأطياف السياسية.

لكن بعد استشهاد محمد، لا أحد يستطيع الجزم بالانتماء الفصائلي للشهيد الفقيه طالما لم يترك وصية، لكن ما يُقرأ في سطور سيرته وحياته أنه يمثل ما يجمع الكل الفلسطيني، وهو خيار المقاومة تحت كل الرايات ورفض التعصب الحزبي والانفتاح على الآخرين.

والدة الفقيه تجرعت في الماضي آلام اعتقالاته المتتالية، وتحملت طوال الأسابيع الثلاثة الأخيرة اعتداءات جيش الاحتلال وأذاه في المداهمات الليلية، واليوم تستقبل خبر مقتله بصبر، وتحتسبه عند الله شهيدا "لأنه سار في طريق اختارها بنفسه".

أما عم الشهيد، التربوي عايد الفقيه، الذي اعتقل وخضع للتحقيق عقب اختفاء محمد ثم أفرج عنه قبل أيام، فيقول إن "محمد ابن فلسطين ويمثل الكل الفلسطيني، استشهد من أجل الأقصى ووطنه وشعبه، والجميع يشارك في تأبينه" مشيرا إلى استمرار الاحتلال في اعتقال أربعة من أقاربه بينهم سيدة.

المصدر : الجزيرة