محمد الجزائري-ريف دمشق

أملا في الأمان والمأوى، خاضت أم أيمن رحلة طويلة بين بلدات منطقة المرج في الغوطة الشرقية المحاصرة بريف دمشق، حيث هربت من الموت مع أطفالها الخمسة، لتعيش برفقتهم حياة بائسة منذ أربعة أعوام، وكلما سمعت هدير الطائرات فوقها، تجمع أطفالها خوفا عليهم من القصف، رغم أنه لا شيء يحميهم منه، فهي تفترش الأرض وتلتحف السماء، ومن حولها بقايا سيارات مدمرة اتخذت منها منزلا.

بدأت قصة أم أيمن بتركها منزلها في بلدة العتيبة بمنطقة المرج في غوطة دمشق الشرقية، إثر سيطرة قوات النظام والمليشيات الداعمة لها على البيت، في أواخر أبريل/نيسان 2013، ونزوحها إلى بلدة العبادة المجاورة، ثم أجبرها توسع المعارك على النزوح مجددا إلى قرية البلالية، ثم بلدة النشابية، ثم قرية البحارية.

آلاف العوائل في الغوطة الشرقية اضطرتها المعارك للنزوح (الجزيرة)

بين الصفيح
وفي كل مرة تتقدم فيها قوات النظام والمليشيات الداعمة لها كانت أم أيمن تضطر إلى النزوح مجددا، لينتهي بها الحال في بلدة حوش نصري، لكنها لم تجد فيها منزلا تأوي إليه مع أطفالها، فبقوا لأيام ينامون في الخلاء تحت أشعة الشمس الحارقة، وبادرت لجمع بقايا سيارات مدمرة بمساعدة بعض الأهالي، وجعلها متقابلة ليتوسطها ما اعتبرته منزلها الجديد.

تقول أم أيمن "أصبحت حياتي في غاية السوء، خاصة أن زوجي يعمل في الزراعة ورعاية الأغنام، ولا نراه سوى ساعات معدودة كل عدة أيام، الموت بالنسبة لنا أرحم من البقاء بين حطام معدني لسيارات مدمرة، تحوله شدة حرارة الشمس إلى لهيب يلفح وجوهنا، حتى إنه لا يمكننا لمسها من شدة حرارتها".

وتضيف أم أيمن "لا مكان لدينا للاستحمام، ولا لطهي الطعام دون أن يلوثه الغبار والحشرات، فضلا عن أن بعض القطط والكلاب تغافلنا وتتسلل إلى حيث نضع طعامنا وتفسده، وأطفالي لم يعد لديهم ما يستر أجسادهم، سوى بعض الملابس البالية، التي تظهر أكثر مما تخفي، في ظل عجزي عن تأمين ملابس مناسبة لهم، لكن المصيبة الكبرى تنتظرني بعد فترة قصيرة، فأنا حامل بتوأم وعلى وشك الولادة، ولا أعرف كيف سأتمكن من وضع توأمي ولا أين، ولا إذا ما كانا سيستطيعان البقاء على قيد الحياة في هذا المكان".

ويعد إيجاد المكان المناسب للعيش هو أهم عقبة تواجه النازحين في الغوطة الشرقية، فكثير منهم، حالهم كحال أم أيمن أو أسوأ، بينما وجد المحظوظون منهم ملجأ في بعض المدارس أو المنازل المدمرة، وبالطبع فإن معظم هذه الأماكن لا تتوفر فيها أبسط مقومات الحياة.

أكثر من 11900 عائلة نازحة في منطقة المرج بالغوطة الشرقية (الجزيرة)

تجاهل أممي
ووفق مدير المكتب الإغاثي الموحد في منطقة المرج أبو راتب، يزداد عدد النازحين من المنطقة يوميا بسبب استمرار الحملة العسكرية لقوات النظام عليها، والتي انطلقت في بداية عام 2013 ولا تزال مستمرة حتى اليوم، مخلفة أكثر من 11900 عائلة نازحة، حسب إحصاء مكتب الإغاثة.

ويقول مدير المكتب إن المتطوعين فيه يبذلون ما بوسعهم في محاولة تغطية احتياجات النازحين، رغم ضعف الإمكانات المتوفرة، مؤكدا أن ملف النازحين في المكتب وصل إلى مرحلة حرجة جدا، فالأعداد كبيرة وتتزايد بتسارع، وتضطر العائلات للسكن في المنازل المدمرة والأماكن غير صالحة للعيش، وأضاف أن المكتب تمكن من ترميم بعض المنازل، لكن عددها لا يكفي إلا لقليل من النازحين، كما أن المكتب يعمل على تقديم مساعدات إنسانية للعائلات النازحة، بمساعدة مؤسسات إغاثة محلية داخل الغوطة وخارجها.

أما المنظمات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، فيرى مدير مكتب الإغاثة أنها لم يكن لها أي دور يذكر في الاستجابة لاحتياجات النازحين من منطقة المرج، فهذه المنظمات تعمدت تهميش المنطقة، واستثناءها من تقديم أي مساعدات إنسانية أو طبية، رغم الحاجة الملحة للمساعدات من قبل النازحين منها.

يذكر أن منطقة المرج تعد المنطقة الكبرى مساحة في غوطة دمشق الشرقية، وتضم 27 بلدة وقرية، ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، وكان لها دور بارز في تلبية احتياجات الأهالي في الغوطة الشرقية منذ حاصرتها قوات النظام والمليشيات الداعمة لها قبل أكثر من ثلاثة أعوام.

لكن هذه الأراضي لم يعد بالإمكان زراعتها، بسبب سيطرة قوات النظام على معظمها، بالإضافة إلى عشرين بلدة في المنطقة، لينزح معظم سكانها، وتخسر الغوطة الشرقية، منطقةً كانت توصف بأنها سلة غذائها.

المصدر : الجزيرة