عماد عبد الهادي-الخرطوم

بعد مرور أكثر من عام عليها إما جالسة على أحد الأرصفة وإما متسولة المارة في طرقات العاصمة السودانية الخرطوم، تكتشف النيجرية مرياما أنها تمتهن التسول لصالح مجموعة توزعها وأخريات بعناية على طرقات وأسواق الخرطوم لتقتسم معها ما تجمعه من مهنتها الجديدة بعد ذلك.

ورغم ما تواجهه من صعوبة في نطق الحروف العربية ومن ثم التحدث إلى الآخرين، لا تعلم مرياما التي يجاوز عمرها الستين عاما ما إذا كانت ستنجح في الوصول إلى بيت الله الحرام أم ترحّلها الحكومة السودانية من حيث أتت.

لكن المرأة النيجرية التي غالبها الحياء حينا والخوف من التصوير أحيانا، تجد نفسها مضطرة إلى اصطحاب طفل تجاوز الخامسة من عمره بقليل ليكون أداة من أدوات التسول والكسب الوفير.

وتتبنى مرياما -وفق قولها- الطفل الذي رفضت ذكر اسمه وهو ليس ابنها، ويرافقها في كل يومها لتستعطف به المارة للحصول على أكبر قدر من العطاء المادي "لأن قلوب الناس لم تعد كما في الماضي".

ومع صعوبة نطقها الكلمات العربية تقول إنها اقتربت أكثر من أي وقت مضي من الوصول إلى هدفها وهو الحج "بعد جمع كل ما تحصلت عليه من مال لهذا الهدف".

مرياما النيجرية مع الطفل الذي يرافقها في التسول (الجزيرة نت)

وفي الجانب الآخر يسعى الطفل بين السيارات في تقاطعات الطرق الرئيسية في الخرطوم سعيا لمضاعفة ما تجنيه مرياما.

ومع التعب الذي بدا واضحا على جسم مرياما الهزيل، تقول بعد كثير من الرفض -وكأنها تخاف مراقبا- إن قيمة التسول بالأطفال ترتفع بضعف قيمة التسول من دونهم، وأكدت أن الأطفال يتم تأجيرهم، وأن الأسعار الكبيرة لذلك لا تمنعها من اصطحاب الطفل لأن ما تحصل عليه يعوض ذلك.

وكشفت وزارة التنمية الاجتماعية عن وجود شبكات منظمة تعمل على إدارة التشرد والتسول ونقل الأموال والاتجار في البشر، وأكدت أن نسبة المتسولين الأجانب بلغت 60% من عدد المتسولين في البلاد، وفقا لحصر أجرته الوزارة مطلع العام الجاري.

ووفق وزيرة التنمية الاجتماعية أمل البيلي فإن الوزارة أصدرت العام الماضي أول قانون متخصص لمكافحة ومعالجة التشرد والتسول، منبهة إلى أن الحكومة سبق أن رحلت عددا كبيرا من المتسولين إلى بلدانهم قبل أن يعود بعضهم مرة أخرى.

ورحلة مرياما بين النيجر والسودان ، كما تقول، امتدت لأكثر من شهر بين السير على الأقدام قبل أن تصل إلى دارفور ثم تنتقل للترحال عبر الشاحنات من أجل الوصول للعاصمة السودانية الخرطوم لمدة تتجاوز الأسبوع يتعرض فيها الجميع، نساء وأطفالا، لكثير من المشكلات.

متسولة أجنبية في طرقات الخرطوم (الجزيرة نت)

وترفض مرياما إعادتها إلى وطنها الأصلي خوفا من منعها من السفر إلى الحج أو العيش في مكان آمن مثل الخرطوم، على حد تعبيرها.

أستاذ علم الاجتماع عبد الرحيم بلال لا يرى غير نقل المتسولين الأجانب إلى أوطانهم مع معالجة مشكلة المتسولين الوطنيين. ويرى أن مشكلة التسول الداخلي هي الأهم في الدراسة والمعالجة الفورية.

وقال بلال إن الأطفال التلاميذ في بعض القرى والأحياء يمارسون التسول بسبب فرض المدارس رسوما على أولياء أمورهم في ظل فقر يئن تحت وطأته أكثر من ثلثي الشعب السوداني.

واعتبر أن الأمر بحاجة إلى ضبط ومتابعة مع الدول "التي تصدّر المتسولين"، ومعالجة جريئة من شقين داخلي وخارجي.

المصدر : الجزيرة