بين الصخور الجبلية قضى أياما عصيبة.. يتصبب العرق من فوق وجنتيه حيث لا يوجد ما يقيه لهيب خيوط الشمس الحارقة، عليه العمل لساعات فالنهار طويل وموسم الصيف في بدايته.

ثلاثة أشهر مرت على مازن بني فضل، ظل العمل فيها متواصلا، يطوق بين ذراعيه أدوات يضرب بها صخرا ويفتته ثم يحرث الأرض.

إنه ليس حكما بالأشغال الشاقة أو عقابا لسجين، بل حب الأرض أو الجرم الذي يقترفه الفلسطينيون في نظر الاحتلال الإسرائيلي.

قطعة الأرض الخاصة بمازن تتربع على قمة جبل في قرية الطويّل جنوب مدينة نابلس، وقبل فترة وجيزة أتيح له استصلاحها وزراعتها لتغدو غابة كثيفة من أشجار المورينجا والأكاسيا، ويعتمد عليها مستقبلا في توفير الغذاء للمواشي التي تقتنيها عائلته.

ومع بداية العام الجاري أطلق مركز أبحاث الأراضي الفلسطيني مشاريع لاستصلاح أراض تقدر بأكثر من ستمئة دونم في المناطق المصنفة "سي" والخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.

ويهدف هذا الإجراء لتحويل الأراضي إلى مراع خضراء تدعم وجود الأهالي بأرضهم وتحميها من المصادرة.

ويقول مازن بني فضل "أنهكت جسدي وأكلت منه قطعا، الحرارة بالكاد تنزل عن 45 درجة مئوية بفصل الصيف".

قرية الطويّل تشكو من القحط واستهداف الاحتلال لمراعيها ومواشيها (الجزيرة)

أمل جديد
لكن "لا بأس كل شيء صعب في بدايته"، وهذا العمل الشاق ضروري لرعي آلاف رؤوس الماشية لدى عائلته وأهالي القرية.

ومن أعلى قمة الجبل حيث مدخل القرية يمكنك أن ترى قطع الأرض المعمرة، واحدة لعائلة مازن، وأخرى تفوقها مساحة تصنف أنها عامة لأهالي القرية.

وإذا ما نجحت هذه المشاريع فإنها ستبعث أملا في نفوس الأهالي لتعوضهم الحرث الذي أهلكه جنود الاحتلال الإسرائيلي.

ومنذ 2005 كوّم الاحتلال بجرافاته العسكرية القرية الوادعة فوق بعضها عشر مرات متتالية، وبدت المنازل المبنية من الصفيح كما لو كانت كتلا صخرية، حتى مسجد القرية لم يسلم من الهدم.

ويقول المسؤول في بلدية عقربا بلال عبد الهادي "كل شيء مهدد بالترحيل في الطويّل، السكان والشجر والحجر، حتى المواشي لم تسلم من المستوطنين الذين سرقوها وغرموا أصحابها أموالا طائلة تفوق بأضعاف ثمنها الأصلي، مما جعلهم يتركونها للاحتلال".

مازن بني فضل يشير إلى منزله الذي هدمه الاحتلال ضمن عمليات هدم متكررة طالت قرية الطويّل (الجزيرة)

تشبث واستصلاح
ويوضح أنهم لن يعدموا الوسيلة في تثبيت السكان بأرضهم عبر مشاريع إعادة الإعمار وشق الطرق الزراعية واستصلاح الأراضي، وأخيرا مشروع المراعي.

استفادت قرية الطويّل من زراعة ثلاثة آلاف شجرة أو يزيد، مثلها الآلاف أيضا في مناطق أخرى مثل طانا شرقي نابلس، وأخرى في بلدة يطا بمدينة الخليل جنوب الضفة الغربية.

ويتوقع القائمون على هذه المشاريع أنه في غضون أربع سنوات سيزحف الخضار فوق أراض ظلت لسنوات قاحلة، وستغطي أشجار المورينجا والأكاسيا المكان.

وحسب مدير مركز أبحاث الأراضي، فإن هذه الأشجار تتحمل الأجواء الصحراوية وتدر غذاء وفيرا ومجديا للمواشي.

لكن مركز أبحاث الأراضي -وهو الجهة المسؤولة عن التنفيذ- يوضح أنهم لن يتمكنوا من تغطية كافة المناطق المصنفة "سي" والمقدرة بأكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية البالغة 22% من فلسطين.

ويطالب المانحين بتقديم المزيد من الدعم لتثبيت السكان في أرضهم، حيث تؤرقهم إخطارات الاحتلال بتجريف المراعي، ويخشون من تنفيذ الجنود رغبة المستوطنين في الاعتداء على الأراضي الفلسطينية وحرمان أهلها من استصلاحها.

المصدر : الجزيرة