تنتهج قوات النظام السوري منذ سنوات ما يعبر عنها خبراء عسكريون بالسيطرة التراكمية أو "قضم المناطق" لنزع ما بيد المعارضة المسلحة. ويقول الخبراء إن حلب والغوطة الشرقية مثالان واضحان على تلك السياسة العسكرية, حيث استعادت قوات النظام مساحات مهمة فيهما.

محمد كناص-غازي عنتاب
 
استطلاع الخريطة العسكرية في سوريا، ووضع مكتسبات الأطراف المتصارعة في الميزان يفيد بأن قوات النظام كانت الأكثر تقدما على حساب المعارضة المسلحة، على الأقل منذ التدخل الروسي نهاية سبتمبر/أيلول العام الماضي.
 
فالمؤشرات على الأرض تقول إن النظام استطاع خلال الفترة الأخيرة السيطرة على أحد أهم القطاعات في الغوطة الشرقية بريف دمشق، كما فرض حصارا ناريا على أحياء المعارضة في مدينة حلب، وفصلها عن مناطق المعارضة في الريفين الشمالي والغربي، وقطع طريق الكاستيلو، وهو آخر شريان إمداد للمعارضة إلى مدينة حلب.
 
ويفرض الحديث عن مكتسبات النظام سؤالا عن طبيعة السياسة العسكرية التي يتبعها في السيطرة على مناطق المعارضة، وما إذا كان أسلوبه في السيطرة والمعارك متشابها في كل الجبهات.
 
يقول الخبير العسكري فايز الأسمر للجزيرة نت إن النظام يتبع سياسة "قضم المناطق"، وإن هذه السياسة العسكرية التي تعتمد على النفس الطويل في المعارك لا تظهر نتائجها إلا بعد مرور فترة من الزمن.
الأسمر يرى أن على المعارضة السورية المسلحة اتباع سياسة الكمائن (الجزيرة-أرشيف)

سيطرة تراكمية
ويوضح الأسمر أن النظام بدأ تطبيق سياسة "قضم المناطق" بحلب في 2013، وقد كانت نيته حينها محاصرة مناطق المعارضة، وقد حقق الهدف بالسيطرة النارية على طريق الكاستيلو.

ويضيف أن النظام يعمل على تجزئة الجبهات، والسيطرة المتتابعة التراكمية على المناطق، كأن يسيطر على قرية صغيرة ثم ينتقل إلى القرية التي تليها، ثم يسيطر على طريق أو أجزاء منه، ثم يستكمل السيطرة عليه.

وفي مثال حلب، نجد أن النظام بدأ بالسيطرة على بلدة السفيرة، ثم انتقل لتأمين القرى حولها، ثم انتقل إلى مطار النيرب العسكري، وثم القرى حوله، ثم اتجه إلى تلة الزرزو، ومن ثم انتقل إلى المدينة الصناعية، وبعدها إلى سيفات وحندرات، وتلتهما بلدة رتيان إلى أن وصل إلى بلدتي نبل والزهراء المواليتين وفك الحصار عنهما، وفرض في النهاية حصارا على حلب.

حرب الكمائن
ويرى الأسمر أن تطبيق سياسة قضم المناطق تحتاج لمقومات لا تملكها المعارضة، وهي الدعم الجوي الناري الكثيف، وإمكانيات بشرية هائلة (مقاتلون) والإمداد اللوجستي، كذلك تحتاج إلى تحصين المناطق التي يتم السيطرة عليها بشكل مستمر.

وهو يعتبر أن على المعارضة أن تتبع سياسة الكمائن والإغارة على خطوط إمداد النظام بشكل مستمر حتى تحرمه من مكتسبات سياسة قضم المناطق. ويضيف أن النظام يلجأ لهذه السياسة بحكم طبيعة الجبهات، حيث إنها مجزأة وكثيرة، وكل واحدة منها لها خطوط إمداد مختلفة عن الأخرى.

عليوي يرى أن سياسة قضم المناطق التي انتهجتها قوات النظام مكلفة (الجزيرة-أرشيف)

طبيعة الجبهات
أما العقيد الطيار والخبير العسكري أديب عليوي فيقول إن النظام يتبع سياسات عسكرية بما يتناسب وطبيعة المنطقة وطبيعة المقاتلين فيها، كما يقول إن سياسة قضم المناطق فاشلة ومكلفة ومرهقة، وإن سيطرة قوات النظام على بضع عشرات من الكيلومترات في محيط حلب استغرق ثلاث سنوات.

ويرى أن النظام يعمل وفق إمكانياته. فمعاركه في الغوطة الشرقية بريف دمشق تختلف عن معاركه في ريف حلب الجنوبي، حيث يعتمد على العنصر الإيراني، وهناك يطبق سياسة إغراق مناطق المعارضة بموجات بشرية من المقاتلين الإيرانيين في محاولة منه إرهاق واستنزاف المعارضة.

ويضيف العقيد عليوي أن النظام في ريف دمشق يعتمد على مقاتلين يغلب عليهم الطابع السوري، فنجد أن حدة المعارك أخف من حدة المعارك في المناطق التي يعتمد فيها النظام على مقاتلين من جنسيات أجنبية (أفغانية وإيرانية وعراقية ولبنانية).

والنظام بشكل عام يعتمد على عامل الطيران في حسم المعارك أي سيطرة جوية مدعومة بتحرك على الأرض, حسب الخبير السوري.

المصدر : الجزيرة