عززت المعلومات التي تتكشف كل يوم عن مدى تعقيد خطة محاولة الانقلاب في تركيا والأعداد الهائلة للمتورطين فيه ومراكزهم الحساسة مكانة الأصوات المطالبة بإعادة عقوبة الإعدام إلى القانون الجنائي بعد عقد ونيف من إلغائها بقرار برلماني في العام 2004.

خليل مبروك-تركيا

لم تتأخر المواقف الرسمية التركية في تبني مطالبات الشارع الغاضب بإعدام الجنرالات الذين تورطوا في محاولة الانقلاب الفاشلة التي كادت تطيح بالرئيس رجب طيب أردوغان، لكن حسابات المطالبات التي ترى في العقوبة عقابا مناسبا رادعا تصطدم بعقبات قانونية وسياسية لإعادة  إقرارها أولا.

فمع مرور الوقت تحولت المطالبة بسن قانون الإعدام من مجرد هتاف "عالي السقف" إلى مطلب جاد للمتظاهرين الذين ما زالت شوارع البلاد وميادينها العامة تغص بهم بعدما دعاهم أردوغان للبقاء في الشارع مدة أسبوع.

وعززت المعلومات التي تتكشف كل يوم عن مدى تعقيد خطة محاولة الانقلاب الفاشلة والأعداد الهائلة للمتورطين فيه ومراكزهم الحساسة مكانة الأصوات المطالبة بإعادة عقوبة الإعدام إلى القانون الجنائي بعد عقد ونيف من إلغائها بقرار برلماني في العام 2004.

غير أن تعقيدات الواقع الداخلي والخارجي تضع كوابح لافتة أمام إعادة إدراج العقوبة الصارمة في اللوائح التركية بعدما صدرت مواقف دولية مناهضة لهذا التوجه، وفي ظل الحاجة الماسة إلى حل عقدة تغيير الدستور.

فقد قال مجلس أوروبا إن على تركيا أن تغادره إذا أعادت عقوبة الإعدام، كما قال مسؤولون أوروبيون إن تطبيق أنقرة عقوبة الإعدام سوف يؤدي لتعليق مباحثات انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، فيما حذر مسؤولون أميركيون وفرنسيون أيضا من عواقب هذا التوجه.

يلدرم أعلن عن سقوط 208 قتلى وأكثر من 1500 جريح جراء الانقلاب الفاشل (الأوروبية)

المطالب الداخلية
ويبدو أن دموية المشهد الذي خلفته ليلة الانقلاب الفاشل قد طغت على مواقف الخارج في أذهان الأتراك (مواطنون وصانعو قرار)، وهو الأمر الذي عبر عنه خبير العلاقات الدولية التركي أفق أولتاش الذي أكد أن أكثر الأصوات دويا في الميادين هي طلبات الإعدام.

وقال أولتاش للجزيرة نت إن علاقة بلاده بالاتحاد الأوروبي هي في حالة جمود أصلا، موضحا أنه "حتى الآن لم يوقع الاتحاد على إعفاء الأتراك من التأشيرة رغم توفير أنقرة كل الشروط"، الأمر الذي أضعف حوافز التقارب بين الجانبين وأدخل علاقتهما في حالة ركود.

ويلفت الخبير التركي النظر إلى أن أولوية المواطن التركي هي أمن بلده وسلامته، قائلا "وقعت محاولة انقلاب هي الأكثر دموية في تاريخ تركيا، قصف فيها مجلس الشعب والقصر الرئاسي والاستخبارات، في هذا الحال فإن علاقاتنا بالاتحاد الأوروبي هي أمر ثانوي، والأولوية الكبرى لتركيا هي معاقبة من قاموا بمحاولة الانقلاب".

وكان رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم قد أعلن في تصريح صحفي أول أمس الاثنين عن سقوط 208 قتلى وأكثر من 1500 جريح، فيما تشير الأنباء إلى أن عدد المعتقلين على خلفية التورط بالانقلاب الفاشل زاد على ثمانية آلاف، جلهم من العسكريين وضباط الجيش.

رسول طوسون: الجدل بشأن عودة قانون الإعدام لا يرتبط بالموقف الخارجي (الجزيرة)

عقدة الدستور
وسبق تصريح يلدرم إعلان الرئيس التركي في خطاب متلفز الأحد الماضي أن الحكومة تعمل مع أحزاب المعارضة للتوصل إلى قرار لا يتسامح مع الانقلابيين، مؤكدا أن بحث إعادة عقوبة الإعدام على خلفية التطورات الأخيرة أمر لا يمكن تأجيله أو تجاهله.

وأضاف أردوغان أن حكومة البلاد ستبحث هذه المسألة مع المعارضة التركية التي أظهرت بدورها قدرا كبيرا من المساندة لحزب العدالة والتنمية في رفض محاولة الانقلاب الفاشل.

لكن الكاتب والمحلل السياسي رسول طوسون قال إن الجدل على عودة قانون الإعدام الذي أزيل في عهد حزب العدالة والتنمية استجابة لمطالب الاتحاد الأوروبي لا يرتبط بالموقف الخارجي عموما بقدر ما هو منوط بالمواقف الحزبية التركية ذاتها.

وأوضح للجزيرة نت أن إعادة هذا التشريع تتطلب تغيير الدستور الذي لا يمكن لحزب العدالة والتنمية وحده أن يغيره ولو دعمه حزب الحركة القومية الذي أعلن اليوم بلا مواربة تأييده إعادة عقوبة الإعدام.

وقال طوسون إن الحزبين مجتمعين (العدالة والتنمية والحركة القومية) لا يملكان أغلبية ثلثي أصوات أعضاء البرلمان التركي وهي العتبة المطلوبة لتغيير الدستور، لكنهما يملكان معا الحق في الدعوة للاستفتاء عليه شعبيا كخيار بديل، وعندها يمكن اقتراح بند الإعدام ضمن الدستور المعدل وإنفاذها إذا قبل تنفيذ التعديل.

المصدر : الجزيرة