دفعت الملاحقات الأمنية وظروف الحرب في حلب الأطباء إلى مغادرتها، فلم تعد المدينة مكانا صالحا لعملهم. كما أن الاستهداف الممنهج لسيارات الإسعاف والمسعفين أجبرهم على الهجرة إلى خارج سوريا، ومن تبقى من أطباء هم متطوعون.

محمد كناص-حلب

كان الطفل محمد نور يلعب في أحد شوارع مدينة حلب، ويتقاذف ورفاقه كرة القدم ومن حولهم ركام أبنية خلفها قصف سابق لطائرات النظام السوري على الحي حيث يلعبون. وبعد لحظات أمضاها الأطفال بمسرح الموت، اغتالت طائرات النظام فرحتهم، وأغارت مرة أخرى على الحي وأمطرته ببراميل متفجرة.

أسعف محمد مع ثلاثين مدنيا آخرين وأخذوا لأحد المشافي الميدانية بالمدينة، لكن لم يعد بإمكانه لعب كرة القدم مع أقرانه ورفاقه، إذ بترت ساقاه وبات قعيدا على كرسي متحرك في انتظار تركيب أطراف صناعية.

لقد نجا محمد نور من الموت وخسر طرفيه السفليين بينما قتل آخران، وعجزت المشافي في مناطق سيطرة المعارضة عن التعامل مع حالات صعبة فنقلت إلى تركيا.

لا جراحة وعائية
يقول الطبيب أبو محمدين الذي يعمل في مشفى "ميم 10 الميداني" -وهو من أشرف على حالة الطفل محمد- إن" بتر أطراف الطفل السفلية كان الحل الوحيد، فلا يوجد بكل المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة بمدينة حلب أي طبيب في اختصاص الجراحة الوعائية، مما اضطرنا ولا يزال يضطرنا إلى حل البتر لإنقاذ المريض".

الأطباء في مدينة حلب يعملون في ظروف صعبة (الجزيرة)

ويضيف الطبيب في حديث للجزيرة أنه "في الشهر الماضي تعرض ما ﻻ يقل عن 15 مريضا في مشفانا للبتر بسبب شدة الحاﻻت وغياب اختصاصي وعائية"، مشيرا إلى أن هذا الرقم كبير مقارنة مع الفترة السابقة بسبب الهجمة العنيفة من قصف طائرات النظام والطيران الروسي على أحياء المعارضة بحلب.

وأوضح أنه رغم الصعوبات البالغة لا يزال الأطباء من ذوي اختصاصات الجراحة العامة هم من يتدبر حاﻻت إصابات الوعائية الكبيرة، وحاﻻت الإصابات الصدرية، وحتى حاﻻت إصابات العضلة القلبية بالشظايا. لافتا إلى وجود حاﻻت وصفها بالنادرة قام بها جراحون في ظل الحصار الطبي لأحياء حلب الخاضعة للمعارضة.

وتمكنت مثل هذه العمليات من إنقاذ أحد الجرحى -وهو شاب في عقده الثاني- من إصابة بالصدر أدت إلى نزيف في الغشاء حول القلب وضغطه على عضلة القلب، حيث كان ﻻ بد من فتح الصدر وإيقاف النزيف الضاغط على العضلة القلبية وتدبير بتر القدم أيضا.

طبيبة نسائية وحيدة
تفيد إحصاءات الجهات الطبية أن مجموع الجراحين في الأحياء الخاضعة لسيطرة المعارضة بحلب هو عشرون طبيبا فقط، وأن عدد بقية الأطباء لا يتجاوز الخمسين غالبيتهم غير متخصص أو قيد الاختصاص.

لا يوجد في جميع أحياء حلب الخاضعة للمعارضة طبيب مختص في الجراحة الوعائية (الجزيرة)

وتفيد إحصاءات أخرى أنه لا يوجد في كل مناطق المعارضة بمدينة حلب إلا طبيبة وطبيب لأمراض النساء، وقال أطباء من مشاف ميدانية بالمدينة إنهم باتوا عاجزين منذ أكثر من شهرين عن تحويل الحالات الطبية المعقدة إلى تركيا، التي لا يمكن علاجها في مناطق المعارضة بمدينة حلب بسبب انقطاع الطريق الإنساني الوحيد الذي يربط مناطق المعارضة في المدينة بريفها ومن ثم إلى تركيا.

ويذكر الأطباء حالات الإصابات العصبية المعقدة والشديدة، التي تحتاج فترة مكوث طويلة في العناية المشددة، وكذلك حاﻻت الجراحة الوعائية الدقيقة مع قلة عدد أسرة العناية المشددة الأمر الذي يتسبب في وفاة بعض المرضى، فهناك أقل من عشرة أسرة لأربعمئة ألف نسمة يعيشون تحت الحرب والقصف اليومي.

استهداف ممنهج
ودفعت الملاحقات الأمنية وظروف الحرب في مدينة حلب الأطباء إلى مغادرتها، فلم تعد المدينة مكانا صالحا للعمل الطبي، وفق حديث أطباء للجزيرة نت. وحمل الاستهداف الممنهج لسيارات الإسعاف والمسعفين كثيرا من الأطباء على الهجرة خارج سوريا.

ومن تبقى من أطباء في أحياء المعارضة بمدينة حلب هم متطوعون، ومنهم من يتلقى أجورا بالكاد تساعده على إعالة أسرهم المقيمة في المخيمات على الحدود مع تركيا.

المصدر : الجزيرة