من بين المشاهد النادرة في تاريخ الأزمات المسلحة في تركيا ظهور رجال الشرطة وهم يلقون القبض على ضباط جيش، ويسيطرون عليهم ويجردونهم من السلاح، ويقتادونهم لمراكز الاحتجاز بالعاصمة أنقرة وإسطنبول.

خليل مبروك-إسطنبول

لم يفاجئ الأتراك ثبات قوات الشرطة أمام عناصر الجيش الذين انخرطوا في محاولة الانقلاب الفاشلة ليلة الجمعة 15 يوليو/تموز الجاري، بالقدر الذي فاجأتهم فيه بتحركها السريع لتنفيذ ما يشبه "الهجوم المعاكس" على الانقلابيين.

فقد أدت أجهزة الأمن الداخلي (الشرطة والاستخبارات والشرطة الخاصة) دورا أساسيا في إفشال محاولة الانقلاب، بعد محاصرة المنخرطين فيه واقتحام معاقلهم والاشتباك معهم واعتقالهم.

ومن بين المشاهد النادرة في تاريخ الأزمات المسلحة، ظهرت صور رجال الشرطة وهم يلقون القبض على ضباط في الجيش، ويسيطرون عليهم ويجردونهم من السلاح، ويقتادونهم لمراكز الاحتجاز في العاصمة أنقرة وفي مدينة إسطنبول.

وتداولت وسائل الإعلام اسم رئيس جهاز المخابرات هاكان فيدان كعنصر فاعل في إنقاذ الشرعية، بعدما قيل إنه أجرى مكالمة مع الرئيس رجب طيب أردوغان في لحظات الانقلاب الأولى نصحه فيها بالحديث مباشرة للشعب، على أن يمضي هو في قيادة عساكر الأمن الداخلي بالمواجهة "حتى الموت".

عنصرا شرطة يقتادان أحد المتورطين في الانقلاب (رويترز)

أدوار ومسؤوليات
ويقول أحد عناصر الشرطة التركية الخاصة المنتشرين على مقربة من قاعدة عسكرية للجيش بمنطقة أرناؤوط كوي بإسطنبول إنه تفاجأ بالانقلاب مثل كافة المواطنين، لكنه أوضح أن التعليمات لم تتأخر على الدوريات من مراكز القيادة بعدم إخلاء المواقع أمام الجيش.

وأضاف الشرطي -الذي لم يقبل الكشف عن هويته في حديث للجزيرة نت- أن الأوضاع كانت عادية، وأنه كان على رأس عمله حين بدأت المعلومات تصل إلى دوريات الشرطة عن تحركات غريبة للجيش في شوارع إسطنبول.

ويؤكد أن "رجال الشرطة مسؤولون عن أمن المواطنين، وحركة الجيش كانت مريبة، وقد تم إبلاغهم من مراكز التحكم أن عليهم التأكد من تذخير أسلحتهم وأن نمنع القوات المسلحة من اقتحام المقرات مهما كلف ذلك من ثمن".

وكلفت المواجهات التي دارت بين الجانبين في العديد من المواقع عناصر الشرطة نحو ستين قتيلا من أصل 208 أعلن رئيس الوزراء بن علي يلدرم أمس الاثنين عن مقتلهم خلال محاولة الانقلاب، لكنها في المقابل حظيت باحتضان الشارع التركي الذي طغى عليه الموقف الرافض للانقلاب.

وكان اليوم التالي لـالمحاولة الانقلابية الفاشلة حافلا بالتطورات، ففيه اقتحمت الشرطة العديد من المعاقل التي تحصن فيها مدبرو الانقلاب ومن بينها مراكز إستراتيجية حساسة كقاعدة قونيا العسكرية الجوية، ومطار صبيحة بمدينة إسطنبول.

 ياسين أوكتاي: دور رجال الشرطة في مواجهة الانقلاب كان أمرا عاديا ومتوقعا (الجزيرة)

بين مؤسستين
ويرى ياسين أوكتاي النائب البرلماني ونائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الحاكم أن دور الشرطة في حسم موضوع الانقلاب كان "أمرا طبيعيا" مؤكدا أن وقوف الشعب مع الشرطة جعلها أكثر قدرة على التصدي له.

وأوضح المسؤول التركي- في اتصال هاتفي مع الجزيرة نت- أن رجال الشرطة لم يتلقوا تدريبا خاصا على التعامل مع الانقلاب الذي لم يكن متوقعا، لكنهم تحركوا ضمن مسؤوليتهم القانونية في حفظ أمن المواطنين وممتلكاتهم ونجحوا في ذلك.

أما الخبير بالشؤون الأمنية بمعهد ستا التركي للدراسات بلغهان أوزتورك، فيرى أن دور الشرطة في مواجهة الانقلاب رفع من أسهمها بين المواطنين.

وأشار إلى أن الشرطة سبق أن نفذت عمليات اعتقال بحق ضباط جيش في قضايا الأرغنكون والباليوز التي قالت التحقيقات إنها كانت تتبع أيضا لزعيم حركة الخدمة فتح الله غولن، لكنها المرة الأولى التي تواجه فيها الانقلاب في الميدان.

ولفت أوزتورك -في حديثه للجزيرة نت- إلى دور الفروق المؤسساتية بين الشرطة والجيش في أداء كل منهما، موضحا أن الشرطة تخضع للإرادة السياسية بحكم تبعيتها لوزارة الداخلية في الحكومة المنتخبة، بينما يتمتع الجيش بالاستقلال عن تلك الإرادة ضمن التقاليد السائدة في تركيا منذ قيام الجمهورية.

المصدر : الجزيرة