حملت الصحف الأميركية والبريطانية بشدة خلال اليومين الماضيين على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد أن نجح في دحر المحاولة الانقلابية التي استهدفت نظام حكمه الجمعة الماضي.

ولعل اللافت في الأمر أن تلك الصحف تحدثت في إجماع نادر وكأنها صادرة تحت إشراف رئيس تحرير واحد، عن أن أردوغان سيستغل هذا النصر الذي أحرزه في تكريس انفراده بالسلطة وقهر مناوئيه وكبت الحريات وتكميم الأفواه.

ولم تشذ عن هذه القاعدة حتى الصحف التي عُرفت برزانتها في تناول الأحداث تعليقا وتحليلا، فصحيفة مثل الغارديان البريطانية، على سبيل المثال، مع إقرارها بأن تركيا تعد رصيدا يضاف إلى حلف الناتو أبدت خشيتها من أن تتحول إلى عبء عليه عندما تطفح مشاكلها إلى خارج حدودها.

وأشارت إلى أن الدرس المستخلص من الانقلاب الفاشل هو أن "تركيا تحتاج قائدا يؤلف بين الأطراف المختلفة في مجتمع منقسم، أو على الأقل زعيما تحدوه رغبة في محاولة فعل ذلك".

وقالت صنداي تايمز في افتتاحيتها اليوم إن الفرصة تهيأت الآن أمام أردوغان لجعل نظامه أكثر تشددا ضد حقوق الإنسان وحرية التعبير، وإن ذلك سيبعد تركيا كثيرا عن هدفها في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، لكن حلفاءها في الناتو لن يملكوا إلا أن يلوذوا بالصمت مع وجود قواتهم داخل تركيا.

ووصفت صحيفة صنداي تلغراف أردوغان بأنه "انتقامي ومتسلط وسريع الغضب وعنيد" حتى قبل محاولة الانقلاب، وأضافت "أما بعدها فستنطلق أسوأ غرائزه من عقالها كما تؤشر أول ردود فعله".

وقالت صحيفة إندبندنت إن أردوغان سيستخدم القوة لتعزيز سلطته بعد محاولة الانقلاب، مضيفة أن تركيا في طريقها إلى القضاء على حقوق الإنسان والحريات واختزال السلطة القضائية إلى أداة في يد الحزب الحاكم، مشيرة إلى أنه ليس من المصادفة أن الانقلابيين أعلنوا أن هدفهم هو إعادة النظام الدستوري والديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات وحكم القانون.

مما يثير الانتباه أن الصحف الغربية -ولا سيما البريطانية والأميركية منها- لم تهلل لانتصار الديمقراطية في تركيا بقدر ما سعت إلى تصوير أردوغان بأنه الزعيم الانتهازي الذي سيستغل هذه الفرصة لتكريس طغيانه واستبداده كما تعتقد

على حافة الهاوية
أما الصحف الأميركية فقد سارت على نهج مثيلتها البريطانية وأبدت تخوفا من تحول نظام أردوغان إلى حكم استبدادي.

وكتبت صحيفة نيويورك تايمز في افتتاحيتها أن ليس ثمة كبير شك في أن الرئيس التركي "سيصبح تواقا للانتقام ومهووسا بحب السيطرة أكثر من أي وقت مضى مستغلا الأزمة ليس لمعاقبة الجنود المتمردين فحسب بل ولقمع ما تبقى من مخالفين له في تركيا".

حتى مجلة (فورين بوليسي) التي يكتب لها كبار المحللين والسياسيين الأميركيين كتبت تقول "إذا رأى الرئيس التركي في بقائه (في سدة الحكم) تفويضا له لتوطيد سلطته على الدولة بشكل أكبر، فإنه سيشرع على الأرجح في خطته القديمة الرامية إلى إعادة صياغة الدستور لاستحداث منصب الرئيس التنفيذي الذي سيمنحه صلاحيات أكبر على حساب الهيئة التشريعية (البرلمان) ورئيس الوزراء".

من جانبها رأت مجلة (ناشونال إنتريست) أنه من غير المستغرب أن أردوغان "لم يضيع وقتا في إلقاء اللوم في المحاولة الانقلابية على حلفائه السابقين وغرمائه الحاليين الممثلين في حركة (الداعية الإسلامي) فتح الله غولن..".

ورأى أحد الباحثين في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست أن أردوغان وضع الديمقراطية التركية "على شفا الكارثة قبل الانقلاب وأن ضباط الجيش الذين نفذوا المحاولة دفعوا بها نحو الهاوية"

وخلص الكاتب إلى أن الأمر سيتطلب قادة لا يتوفرون في تركيا حاليا لإنقاذها مما هي فيه.

والملاحظ في هذا التناول أن الصحف لم تشر إلى أن من تسبب في إفشال المحاولة الانقلابية لم يكن أردوغان وحده أو حتى أركان نظامه، بل هو الشعب التركي الذي نزل إلى الشوارع بأعداد غفيرة ليدافع عن الديمقراطية التي انتزعها من براثن العسكر الذين قاموا بعدة انقلابات من قبل.

ومما يثير الانتباه أن الصحف الغربية -ولا سيما البريطانية والأميركية منها- لم تهلل لانتصار الديمقراطية في تركيا بقدر ما سعت إلى تصوير أردوغان بأنه الزعيم الانتهازي الذي سيستغل هذه الفرصة لتكريس طغيانه واستبداده كما تعتقد.

المصدر : الصحافة البريطانية,الصحافة الأميركية