في سابقة من نوعها، قمعت الحكومة التركية شهية العسكر للسلطة حيث استجابت الجماهير لنداء الرئيس أردوغان وطردت الانقلابيين من الشوارع والميادين، مما يعزز مكانته مستقبلا ويعكس رفض الشعب والأحزاب لخروج الجيش من الثكنات وتورطه في شؤون الحكم.

نجح في التصدي للاحتجاجات المناهضة للحكومة التي استمرت أشهرا في 2013، وأفلت من نيران اصطلى بها وزراؤه في مزاعم فساد، وصمد أمام تمرد عسكري ضده.

إنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أفشل البارحة انقلابا عسكريا، وهو أمر لا يمكن أن يتباهى به أي من أسلافه الذين أطاح بهم الجيش.

لم يتوقع أحد في تركيا ما حدث ليل الجمعة عندما سيطر جنود على الجسرين الرئيسيين في إسطنبول على البوسفور وحلقوا بطائرات "أف 16" على علو منخفض فوق أنقرة، واقتحموا محطات التلفزيون الخاصة والعامة وسيطروا عليها بسهولة تقريبا.

لكن ما الذي حرك الانقلابيين ضد أردوغان؟ وما الذي يخبئه له المستقبل؟ وكيف استطاع استعادة السيطرة على الأمور؟

يقول مدير معهد "إدام" البحثي الأوروبي سنان أولغن "لم يشارك الجيش كله في الانقلاب مثلما حدث في الانقلابات السابقة وإنما نفذته مجموعة احتجزت قائد الجيش رهينة".

الأمن التركي اعتقل 200 عسكري من مدبري الانقلاب الفاشل بمقر القيادة العامة (وكالة الأناضول)
تحرك متوقع
في بلد شهد ثلاثة انقلابات عسكرية وآخر لم تستخدم فيه القوة، هناك مؤشرات على تصدعات يمكن أن تنبئ بمثل هذا التحرك داخل الجيش ولو عبر مجموعة صغيرة من رتب أقل شأنا.

فخلال السنوات الأخيرة عبّر معارضون عن مخاوفهم من الاتجاه نحو "نظام تسلطي" في ظل أردوغان خصوصا بعد أن أصبح أول رئيس منتخب مباشرة من الشعب في صيف 2014.

ويطمح أردوغان لتغيير الدستور التركي الذي صيغ في 1980 إثر آخر انقلاب عسكري ناجح، بهدف تبني نظام شبيه بالنظام الرئاسي الأميركي.

ويقول الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن أفكان أردمير إن الانقلاب كان نتيجة عوامل عدة بما فيها مخاوف الجيش من النظام الجديد الذي يعد له أردوغان.

ويضيف أن الأسباب الأخرى تتضمن "أحد آخر التطورات المتمثلة في قانون إعادة تشكيل المحاكم العليا وكذلك رفض أردوغان البقاء على الحياد". 

لكنه يرى أن عهد الانقلابات الناجحة ولّى ولا يمكن تكرار ما حدث في 1960 و1971 و1980 مع وجود معارضة قوية لها من الشارع.

ويضيف أن الأحزاب السياسية ليست لديها ذكريات جيدة عن الانقلابات السابقة نظرا لمعاناتها تحت الحكم العسكري.

وقد أبدى الناس هذه المرة تضامنا مع الحكومة حتى إن الأحزاب الثلاثة المعارضة في البرلمان سارعت إلى إدانة محاولة الانقلاب.

ويقول أولغن إنه عندما لاحظ الناس أن الانقلابيين لا يحظون بدعم الجيش كان من السهل الوقوف في وجوههم. وفي الواقع كانت كل الظروف ضد الانقلابيين، وظهر على تويتر وسم تحت عنوان "ليس انقلابا وإنما مسرحية".

video

 

البراغماتي المحنك
أما المحاضرة في السياسة والعلاقات الدولية بجامعة نوتنغهام ترنت في بريطانيا ناتالي مارتن فتقول "بدا أنه كان محكوما عليه بالفشل، وهو أمر أشاع الشكوك بأنه من الممكن تماما أن يكون انقلابا كاذبا".

وسيعرف "أردوغان البراغماتي المحنك" كيف يستفيد من الفرص التي يتيحها الانقلاب الفاشل من أجل تشديد قبضته على تركيا "لكنه يواجه خيارا صعبا".

ويقول أردمير "يمكنه إما البناء على واقع أن جميع الأحزاب دعمته وأن يبدأ عهدا من التوافق، وإما أن يستغل هذا فرصةً لتعزيز حكم الرجل الواحد".

وكذلك يرى أولغن أن أردوغان سيخرج من الوضع أقوى "ولكن السؤال هو إن كان يرغب في استخدامه من أجل اعتماد سياسة أكثر توافقية".

ويضيف أن هذه "فرصة فريدة لتحقيق أجندة ديمقراطية أكثر طموحا. ولكن السيناريو المرجح هو أن يستخدم أردوغان هذا لتحقيق طموحاته الشخصية وإقامة نظام رئاسي".

المصدر : الجزيرة + وكالات