يشير الخبير الدستوري قيس سعيّد إلى أن إطلاق رئاسة الجمهورية في تونس مبادرة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية من دون استشارة رئيس الحكومة كشف عن تواصل ثقافة النظام الرئاسي لدى النخبة السياسية في تونس.

محسن المزليني-تونس 

مع توقيع عدد من الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية المشاركة في مشاورات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في تونس على وثيقة "اتفاق قرطاج" فتح الباب على احتمالات استقالة حكومة الحبيب الصيد وآليات الخروج من أزمة سياسية متوقعة.

واعتبر الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي خلال حفل التوقيع الذي التأم الأربعاء في قصر قرطاج أن الحكومة الحالية قامت بواجبها، لكنها لم تعد قادرة على تحقيق المرجو منها، خاصة في ظل الوضع الصعب الذي تعيشه البلاد على المستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

وأشار إلى أن مبادرته بتشكيل حكومة وحدة وطنية لم تكن الغاية منها معارضة أي مسؤول، مشددا على أن التوافق على برنامج شامل تقوم الحكومة القادمة بتطبيقه ضروري اليوم.

وضبطت "وثيقة قرطاج" التي كانت ثمرة لقاءات بين أحزاب الائتلاف الحاكم وأخرى من المعارضة إضافة إلى منظمات اجتماعية جملة من الأولويات، أهمها ضرورة كسب الحرب على الإرهاب وأولوية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما في المناطق الداخلية التي تشكو تأخرا تنمويا.

ولئن عبرت قطاعات كبيرة من النخب السياسية والاجتماعية في تونس عن ارتياحها لتحقيق هذه الخطوة إلا أن التحدي الأهم وفق هؤلاء يكمن في كيفية المرور من النوايا الحسنة إلى التطبيقات السليمة.

الحبيب الصيد رفض استقالة حكومته (الجزيرة)

خرق الدستور
وأوضح الخبير الدستوري قيس سعيّد أن هناك سيناريوهات ثلاثة ممكنة لرحيل رئيس الحكومة الحالي الحبيب الصيد، أولها استقالة الحكومة ودعوة شخصية جديدة لتشكيل حكومة أخرى، وهذه الفرضية تبدو مستبعدة بعد أن جدد الصيد رفضه الاستقالة من منصبه.

أما الفرضية الثانية فهي ذهاب الصيد إلى مجلس النواب لطلب تجديد الثقة لحكومته من الكتل البرلمانية، وفي حالة عدم حصوله على الأغلبية المطلقة فإن الحكومة تعتبر مقالة.

ويتساءل سعيّد: كيف يقبل رئيس الحكومة الذهاب الاختياري إلى مجلس النواب لطلب تجديد الثقة وهو يعلم أن أغلبية النواب ستحجب عنه الثقة؟ كما أن صعوبات أخرى تعترض مثل هذا السيناريو وهي أن الدستور يوجب تقديم المرشح الجديد لرئاسة الحكومة في نفس جلسة سحب الثقة، فهل يمكن للفرقاء السياسيين -حتى الداعمين لحكومة الوحدة الوطنية- أن يتوافقوا سريعا على رئيس حكومة جديد؟

أما الفرضية الثالثة فهي أن يقدم ثلاثون نائبا على الأقل لائحة لوم لسحب الثقة من الحكومة، غير أن هذا لا يمكن اللجوء إليه إلا إذا لم تمدد حالة الطوارئ التي تنتهي في العشرين من الشهر الجاري.

الباجي السبسي أطلق مبادرة تشكيل حكومة وحدة وطنية (الجزيرة)

النظام الرئاسي
وبعيدا عن الفرضيات الدستورية "الشكلية" يشير قيس سعيّد إلى أن إطلاق رئاسة الجمهورية مبادرة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية من دون استشارة رئيس الحكومة يكشف عن تواصل ثقافة النظام الرئاسي لدى النخبة السياسية في تونس.

وتساءل: كيف يحصل رئيس الحكومة على تزكية البرلمان ثم تأتي محاولات إقالته من مؤسسة الرئاسة، في وقت منح دستور البلاد الجديد صلاحيات واسعة لرئيس الحكومة وخرج به من مقام الوزير الأول أو كاتب الدولة للرئاسة التي ألفتها تونس ما قبل الثورة؟

إن الإشكال الذي كشفته هذه المحاولة -يضيف سعيّد- هو بداية تشكيل ما سماه هامشا للدستور أو نصا موازيا له قد ينزع كل المكتسبات التي تضمنها دستور ما بعد الثورة، وهو ما يشي بأن بعض النخب لم تقنع باستعادة تماثيل الزعيم الراحل بورقيبة وإنما هي بصدد محاولة استعادة نظامه الرئاسي.

وانطلاقا من هذه القضايا والإشكالات الدستورية والسياسية التي تشهدها الساحة السياسية في تونس يؤكد قيس سعيّد أن الأزمة التي تعيشها البلاد ليست فقط أزمة حكومة إنما هي أزمة منظومة حكم.

يبدو إذن أن توافق أطياف سياسية ومدنية واسعة على تشكيل حكومة وحدة وطنية بقدر ما أحيى آمالا في إمكانية تعبئة جهد أغلب الأطياف السياسية والاجتماعية في برنامج إنقاذ مشترك يعيد للبلاد استقرارها السياسي والأمني وتوازنها الاقتصادي أثار في الوقت نفسه مخاوف من مزيد تعميق أزمات البلاد.

المصدر : الجزيرة