بعد انقضاء ثلاث سنوات عجاف في مصر، بدا أن الرئيس السيسي فقد وهجه في الشارع، فقد دبت الخيبة في أنحاء الوطن ولم تعد الوعود الحالمة تومض في ظلمات الأزمات، حيث تكرّس الفشل في مجالات السياسة والاقتصاد والحريات.

قبل فترة وجيزة، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن الحرب ضد الفساد مستمرة، لكن المؤكد أن النظام هو من يخوض حاليا معركة ضد الرجل الذي أنيط به صون المال العام.

قرب نادٍ خاوٍ في ضاحية القاهرة الجديدة، شعر هشام جنينة أن بإمكانه التحدث بأريحية عن الفساد وعن الصورة القاتمة التي تبدو عليها مصر بعد ثلاث سنوات من إطاحة السيسي بالرئيس المنتخب محمد مرسي.

ضابط الشرطة والقاضي السابق عين عام 2012 رئيسا للجهاز المركزي للمحاسبات المنوط به مكافحة الفساد في مصر.

ولكن بدل أن يجلب لصوص المال العام إلى القضاء ويحيلهم إلى درك السجون، وجد جنينة نفسه في ساحات المحاكم بتهمة تشويه صورة الدولة عبر المبالغة في تقدير حجم الفساد.

يقول جنينة إنه لم يرتكب أي مخالفات، وإن قضيته تستخدم لإثناء الآخرين عن التحدث دون خوف في بلد يرى أنه يخضع بشكل متزايد لقبضة أجهزة الأمن.

ويرى أن استخدام القبضة الأمنية وإعادة إنتاج الدولة البوليسية لن يؤدي إلى أي تقدم، منتقدا تغييب الأحزاب والمجتمع المدني والتضييق على الإعلام وإغلاق المراكز الحقوقية المعنية بالدفاع عن استقلال القضاء.

يشار إلى أن السيسي وصل إلى السلطة عبر انقلاب يوم 3 يوليو/تموز 2013 بعد خروج حشود غفيرة يوم 30 يونيو/حزيران ضد الرئيس مرسي.

وحتى بعد أن قتلت قوات الأمن المئات من أنصار جماعة الإخوان المسلمين في الشوارع، ظل السيسي بطلا في أذهان كثيرين. وفي يونيو/حزيران 2014 أعلن عن فوز السيسي بانتخابات الرئاسة المصرية.

خلال السنوات الثلاث الأخيرة، نفذت السلطات المصرية حملة صارمة ضد نشطاء المعارضة، ثم استهدفت شخصيات بارزة مثل جنينة نفسه، إضافة إلى مقدمي برامج تلفزيونية وموسيقيين يؤدون عروضهم بالشوارع.

 السيسي أعلن أنه يخوض حربا ضد الفساد في مصر (الأوروبية)

الأحكام الجماعية
وقد أحيل قضاة عارضوا أحكاما جماعية بالإعدام إلى التقاعد، بينما يواجه نقيب الصحفيين ووكيل النقابة المحاكمة للمرة الأولى في تاريخ هذه المؤسسة الصحفية.

وتطبق السلطات المصرية بشكل صارم قانونا يلزم بالحصول على موافقة وزارة الداخلية على أي تجمع عام لأكثر من عشرة أشخاص.

وقد ألقي القبض على أكثر من مئتي شخص في أبريل/نيسان الماضي فيما يتصل باحتجاجات على خطة الحكومة نقل السيادة على جزيرتين في البحر الأحمر إلى السعودية.

وقال رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب محمد أنور السادات "هناك شباب لأول مرة يشاركون في مظاهرة سلمية.. هؤلاء لا بد أن يفرج عنهم".

وأضاف "لك أن تتخيل عندما يكون شاب في كلية طب ويودع السجن لسنتين.. سيخرج إنسانا صالحا أم حاقدا وناقما على الدنيا والبلد؟".

ويرى جنينة أن الحملات الصارمة التي تشنها الدولة منذ أن تولى السيسي السلطة لم يسبق لها مثيل منذ خمسينيات القرن الماضي، عندما أطاح الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر بالملك وفرضوا الحكم العسكري وأسكتوا المعارضة.

وقد دب الخلاف بين جنينة والسلطات عندما قال للصحفيين العام الماضي إن الفساد كلف الدولة 600 مليار جنيه (68 مليار دولار) في أربع سنوات، وهي تقديرات يقول إنها تستند إلى تقارير رسمية.

جنينة: فاتورة الفساد بمصر بلغت 68 مليار دولار في أربع سنوات (الجزيرة)

خطورة الفساد
ويحذر جنينة من خطورة الفساد قائلا إنه يخلق بيئة خصبة لنمو الإرهاب، لكن لجنة لتقصي الحقائق شكلها السيسي قالت إن تلك الأرقام مضللة.

ولم يصدر بعد الحكم في قضية جنينة، لكنه فقد منصبه على رأس الجهاز المركزي للمحاسبات في مارس/آذار الماضي.

ولكن هذه المرحلة تختلف عن الماضي عندما دعمت قطاعات عريضة من الجماهير القائد العسكري الصارم، فحاليا لم تعد الحملات التي تستهدف غير السائرين في فلك السلطة تجد سندا من الشارع المصري بعد أن خفت نجم السيسي وخابت الآمال التي علقها عليه البسطاء.

فقد وصل التضخم في مصر إلى أعلى مستوياته في سبعة أعوام، بالإضافة إلى نقص العملة الصعبة، بينما يتعرض الجنيه للضغط ويتباطأ النمو الاقتصادي.

ويقول محمد محمود -وهو خباز في حي فقير بالقاهرة- "قل للسيسي.. قل للرئيس.. لا يمكن أن نعيش هكذا"، ويضيف أن زبائنه خفضوا إنفاقهم، وأنه يربح الآن نحو 50 جنيها يوميا، وهو مبلغ لا يكفي لأسرة من سبعة أفراد.

الأمن المصري مارس قمعا فظيعا ضد معارضي نظام السيسي (أسوشيتد برس)

زوايا الفشل
وينتقد اقتصاديون ما يعتبرونها مشاريع عملاقة بدأها السيسي لم تدرس جيدا، على رأسها توسعة قناة السويس التي تم الانتهاء منها على عجل تحت إشراف الجيش.

ويقول الباحث بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط تيموثي قلدس إن "الركائز الثلاث الرئيسية التي وعد بها هي: الاستقرار والنمو الاقتصادي والأمن، وقد فشل في الثلاث".

ويضيف "وبالتالي فإنهم يخاطرون أكثر.. إذا كان بوسعهم المضي بتوسيع قمعهم لأهداف عليا والإبقاء على الناس تحت السيطرة، فلماذا لا يفعلون؟".

وفي المقابل يرى نشطاء ومراقبون أن السيسي يستفيد من خيبة أمل الشعب من الثورة، فقد انتفض مرتين ولم يتحسن وضعه. كما أن دولا مهمة عربية وغربية تتعاون مع القاهرة في حربها على ما يسمى الإرهاب وتقدم لها مساعدات مالية وعسكرية.

وقال قلدس "لن يضغط أحد على مصر بهذا الصدد الآن.. ليس هناك من يكترث.. يعتقدون أن هذا هو أفضل ما يمكنهم تحقيقه الآن".

المصدر : رويترز