يرى المحلل السياسي نور الدين العلوي أن مواقف التثمين الصادرة عن الأحزاب "ذكاء خبيث" من أصحاب هذه المواقف، مفاده توجيه رسالة إلى رئيس الدولة بأنهم يدركون سعيه لتوزيع فشل حكومته على "القبائل" السياسية، وأنهم ليسوا مستعدين للغرق معه.

سمير ساسي-تونس

ثمنت أحزاب سياسية ومنظمات اجتماعية ونقابية مبادرة الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي التي دعا فيها إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، وأشاد الكثيرون بالمبادرة وتوقيتها، لكن المواقف اختلفت بشأن المشاركة في هذه الحكومة وبرنامجها، فضلا عن دلالة طرحها سياسيا. 

واقترح السبسي حكومة تضم المنظمتين الاجتماعيتين الرئيسيتين وهما الاتحاد العام التونسي للشغل كبرى النقابات العمالية في تونس، واتحاد الصناعة والتجارة ممثل أصحاب المؤسسات، بالإضافة إلى الأحزاب السياسية الكبرى وشخصيات مستقلة.

ولم تشذ مواقف أحزاب الحكم عن توقعات المراقبين، فقد اعتبرت حركة النهضة أن هذه المبادرة امتداد لسياسة التوافق الوطني، مذكرة بأنها كانت من أوائل الداعين إلى حكومة وحدة وطنية. كما أعلنت الهيئة السياسية لحركة نداء تونس (حزب الأغلبية) تبنيها الكامل للمبادرة، وعبرت عن استعدادها للدخول الفوري في حوار مع مختلف القوى السياسية والاجتماعية لتفعيلها.

أما اتحاد الشغل واتحاد الصناعة والتجارة اللذان سبق أن نظما حوارا وطنيا للخروج من الأزمة السياسية التي شهدتها البلاد زمن حكم الترويكا، وعقب عدة اغتيالات سياسية عام 2012، فقد اشتركا في تثمين المبادرة، لكنهما اختلفا في تحديد الموقف من المشاركة فيها.

أعضاء المكتب التنفيذي لاتحاد الشغل (الجزيرة)

فقد أعلن الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي الرفض المبدئي للمشاركة في أي حكومة، معربا عن استعداد الاتحاد لدعمها من خارجها، بينما أجلت رئيسة اتحاد الصناعة والتجارة وداد بوشماوي الإعلان عن موقف الاتحاد إلى حين اجتماع مكتبه التنفيذي الأسبوع المقبل، مؤكدة أن الاتحاد لا تهمه الأسماء المشاركة بقدر ما يهمه البرنامج الذي سيتفق عليه الائتلاف الحكومي المنتظر، وهو ما اعتبره مراقبون رفضا للمشاركة مثل اتحاد الشغل وإن صيغ بأسلوب أكثر دبلوماسية.

وعلى صعيد أحزاب المعارضة فقد بدا لافتا موقف قيادات الجبهة الشعبية (ائتلاف حزبي من أقصى اليسار) التي عرفت بمعارضتها المنهجية لكل مبادرة تصدر من جهة الحكم، حيث عبرت عن ارتياحها لما تضمنته المبادرة من "أرضية يمكن أن تشتغل عليها الحكومة كمكافحة الفساد ومقاومة الإرهاب"، غير أنها رأت أن "طرح المبادرة أفرزه الوضع المتردي الذي تعيشه البلاد منذ مدة، بعد أن ثبت عجز الحكومة عن الاستجابة لانتظارات المواطنين على المستويين الاقتصادي والاجتماعي".

أما حزب حراك تونس الإرادة -حزب الرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي- فقد رأى في المبادرة إمعانا في تجاوز الدستور، حسب بيان للحزب أكد فيه أن تشكيل الحكومات وحلها من صلاحيات البرلمان، داعيا أحزاب المعارضة الديمقراطية الأخرى والمنظمات الوطنية إلى "تحشيد القوى لصياغة برنامج إنقاذ مرحلي للخروج من المأزق في انتظار المحطات الانتخابية الفاصلة".

نور الدين العلوي: المبادرة تكشف
وجود أزمة حكم في تونس (الجزيرة)
اغرق أنت
ويرى نور الدين العلوي الأكاديمي والمحلل السياسي أن مواقف التثمين الصادرة عن هذه الأحزاب "ذكاء خبيث" من أصحاب هذه المواقف، مفاده توجيه رسالة إلى رئيس الدولة بأنهم يدركون سعيه لتوزيع فشل حكومته على "القبائل" السياسية، وأنهم ليسوا مستعدين للغرق معه، فهم يقرون بما أقره صاحب المبادرة من فشل، لكنهم يقولون في النهاية "اغرق أنت وفريقك الحكومي وحدكما".

ويضيف العلوي في تصريح للجزيرة نت أن المبادرة كشفت وجود أزمة حكم في البلاد بسبب فشل في حل المطالب الاجتماعية، وأن الفريق الحاكم بصدد تدوير الأمر اليومي والهروب بالمشاكل إلى الأمام، مع وجود ظرف اقتصادي صعب بانهيار الدينار مع رفض رجال الأعمال مد يد المساعدة، وغلبة الاعتبارات الانتخابية على موقف اتحاد الشغل الذي يستعد لمؤتمره القادم.

ويؤكد أن تغيير الفريق الحاكم لن يغير من واقع الأزمة، وأن الحل يكمن في الاعتراف بأن المرحلة استنفدت أغراضها، وأن تشكيل مثل هذه الحكومة يجب أن يكون على قاعدة الانتخابات لا على قاعدة الدعوات من رئيس الدولة.

المصدر : الجزيرة