الزخم الذي أحيط بحكومة الوفاق الليبية عند تشكليها ما لبث أن تبدد بحكم صعوبة الوقائع على الأرض، حيث ورثت مشاكل اقتصادية واجتماعية تعود لعدة عقود، فيما تواجه خصوما سياسيين ومسلحين في كل من الشرق والغرب.

بعد ثلاثة أشهر من انتقالها إلى طرابلس، تبدو حكومة الوفاق الوطني الليبية غير قادرة على دفع مشاريعها قدما بسبب إخفاقها في بسط سلطتها على جميع أراضي البلاد.

في نهاية مارس/آذار الماضي وصل رئيس الحكومة المدعومة من المجتمع الدولي إلى طرابلس عبر البحر، وحدد هدفه بتحقيق مصالحة بين الليبيين وإحلال الاستقرار في بلد يعيش فوضى على الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية.

وكانت الأسابيع الأولى مشجعة، لأن فايز السراج -وهو رجل أعمال- حصل على دعم المؤسسات الاقتصادية الكبرى ومدن الغرب الليبي والجماعات المسلحة هناك. كما تلقى السراج دعم الأمم المتحدة وأوروبا والدول المجاورة.

وقالت الخبيرة المستقلة في الشؤون الليبية كريمة منير إن السراج يلتقي كل أطياف الفاعلين السياسيين ويسهل التقارب بين المؤسسات المتنافسة، مثل المصرفين المركزيين وفرعي شركة النفط الوطنية العمود الفقري لاقتصاد البلاد.

كما أمر رئيس الوزراء المعينين بتصريف الأعمال رغم قلة الموارد المتوفرة دون انتظار تصويت الثقة في البرلمان المتمركز في طبرق (شرق) "مع أنه ضروري".

عملية سرت
وكانت أبرز مبادرة قام بها هي شن عملية عسكرية في 12 مايو/أيار الماضي لاستعادة مدينة سرت التي تبعد 450 كلم شرق طرابلس من تنظيم الدولة الإسلامية.

وقد طوقت القوات الموالية لحكومة الوفاق بسرعة مسلحي التنظيم داخل المدينة الساحلية ولا تزال تواجه مقاومة هناك.

القوات الموالية لحكومة الوفاق شنت عملية ضد مسلحي تنظيم الدولة بسرت (رويترز)

أما على الصعيد السياسي فلم تتمكن حكومة الوفاق من الحصول على دعم السلطات الموازية في برقة المنطقة الكبيرة في شرق البلاد والتي ترفض التخلي عن سلطتها.

وتعتمد برقة على القوات الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر الذي يوجه انتقادات حادة لحكومة الوفاق الوطني.

وقالت كريمة منير إن الانقسام بين الشرق والغرب تعمق، وأضافت أنه كان من المفترض أن يواصل السراج الضغط على البرلمان لانتزاع تصويت للحصول على الثقة.

ورغم الدعم الذي أعلنته عدة دول لحكومة السراج فإن أيا منها لم تعد فتح سفارتها في طرابلس، ولم تفتح مجالها الجوي أمام الطائرات الليبية. كما لم تستأنف أي شركة طيران رحلاتها لليبيا.

ويرى العديد من الليبيين أن الوضع الأمني تدهور في غياب قوات الأمن في الشوارع، بينما تنتشر الأسلحة بكثرة، وارتفع عدد عمليات الخطف للحصول على الفدى المالية بشكل كبير.

كذلك تبدو الحصيلة قاتمة على الصعيد الاقتصادي، لأن أسعار السلع الأساسية تواصل الارتفاع بينما يتراجع سعر الدينار الليبي.

وقد حدد سعر الدولار الرسمي بـ1.38 دينار ليبي، لكنه وصل في السوق الموازية إلى 4.55 دنانير، وفي نهاية فبراير/شباط الماضي كان يبلغ سعره بين 3 و3.50 دنانير.

وصرح الخبير ماتيا توالدو -من المجموعة الفكرية بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية- بأن "أزمة السيولة هي على الأرجح أخطر إخفاق لحكومة الوفاق الوطني في السيطرة على الاقتصاد".

وتشهد المدن الليبية انقطاعا مستمرا للتيار الكهربائي ولفترات طويلة وبلا إنذار مسبق مما يؤدي لقطع التزود بالمياه.

وقالت كريمة منير إن الليبيين "لم تتدهور حياتهم اليومية فقط بل يشعرون أنهم يستجدون ما هو حق لهم". 

برلمان طبرق لم يمنح الثقة لحكومة الوفاق (الجزيرة)
إرث المشاكل
وفي مقابلة مع وكالة الأنباء الفرنسية، قال السراج إن حكومته ورثت "مشاكل لا تحصى بعضها عمره خمس سنوات والبعض الآخر تراكم على امتداد أربعة عقود.. وأينما اتجهنا نصطدم بمشاكل".
 
لكن السراج يرى أن ليبيا التي تبعد بضع مئات من الكيلومترات عن أوروبا قادرة على النهوض "من هذه الكبوة"، وأضاف "إذا فقدت هذا الإيمان فلن أبقى دقيقة واحدة على رأس الحكومة".

ويقول السراج وهو مهندس معماري مولود في طرابلس عام 1960- "ليس لدينا مصباح سحري. لدينا جهدنا وهو مسخر لخدمة الوطن".

بيد أن منير رأت أن جهود السراج ستذهب سدى إذا لم يتحسن الوضع الأمني، لأن الجماعات المسلحة ما زالت موجودة وتفرض قانونها حتى إن غيرت مسمياتها.

وقالت إن السراج يحمل سلاحا ذا حدين: فهو بحاجة للمسلحين لضمان أمنه "لكنهم سبب غياب الأمن".

وستشكل استعادة سرت نجاحا لحكومة الوفاق الوطني يمكن أن يسمح لها بتعزيز مصداقيتها. ولكن بعد القضاء على تهديد عدو مشترك، سيصبح الشرق في مواجهة الغرب إذا لم يطرح حل سياسي قابل للاستمرار.

المصدر : الفرنسية