أيمن الزبير-مدريد

لم يتأخر زعماء الحزب الشعبي الإسباني الحاكم في طي أجواء الانتشاء بالفوز العريض الذي حققوه في نتائج الانتخابات العامة الأحد الماضي، وبدؤوا استخدام نبرة حذرة لتفادي الاصطدام بباقي القوى السياسية التي قد تمنحهم مفاتيح تشكيل حكومة جديدة تحظى بنوع من الاستقرار.

مرد هذا الاعتدال يعود -حسب المحلل السياسي خوسيه فيرنانديث ألبيرتوس- إلى عدم اختلاف المشهد السياسي الذي تركته هذه الانتخابات عن ذلك الذي شهدته إسبانيا في الأشهر السبعة الأخيرة، إذ ما زالت استحالة الحصول على أغلبية مطلقة للاستفراد بالحكم واستمرار انقسام غالبية مقاعد البرلمان بين أربع قوى سياسية، هي العناوين الرئيسية التي تركتها استحقاقات 26 يونيو/حزيران الجاري الانتخابية.

ألبيرتوس: نتائج الانتخابات أعطت
الحزب الشعبي دفعة معنوية (الجزيرة)

فما الذي تغير إذن؟ يقول ألبيرتوس إن حصول الحزب الشعبي على 14 مقعدا إضافيا مقارنة مع الانتخابات الماضية، شكل دفعة معنوية لرفاق رئيس الحكومة ماريانو راخوي الذي لم تتأثر صورته بعشرات قضايا الفساد المالي التي تلاحق مئات من أعضاء حزبه الحاكم.

ويضيف أن "معظم الإسبان لن يتفهموا تعطيل تشكيل حكومة والذهاب إلى انتخابات ثالثة، وفي هذا الصدد فإن الحزب الشعبي لديه شرعية أكبر لتشكيل الحكومة" نظرا لأنه كان الفائز بتلك الانتخابات وبفارق كبير عن أقرب منافسيه، الحزب الاشتراكي الذي خسر خمسة مقاعد مقارنة بالانتخابات الماضية التي جرت قبل أشهر، والذي أصبح الحزب الشعبي يتفوق عليه الآن بفارق 52 مقعدا برلمانيا.

لكن هذه الشرعية لم تقنع -على ما يبدو- الحزب الاشتراكي الذي حصل على المرتبة الثانية والذي لا يخفي عزمه التصويت ضد تشكيل حكومة محافظة، كما يرفض العرض الذي قدمه له راخوي للمشاركة في حكومة أغلبية برلمانية يتزعمها المحافظون، على شاكلة التحالف الحاكم في ألمانيا والنمسا وغيرهما من الدول الأوروبية.

الزحاف: على الحزب الشعبي البحث
عن حلفاء يشاركونه وجهات النظر (الجزيرة)

من جهته، يقول محمد الزحاف عضو الحزب الاشتراكي الذي يشهد خلافات داخلية قد تطيح بزعيمه، "نحن لن نتخذ مبادرة تشكيل حكومة لأن عدد مقاعدنا البرلمانية غير كاف، ولذلك على الحزب الشعبي أن يبحث عن حلفاء يشاركونه الأيدولوجية ووجهات النظر".

في المقابل يقف حزب "ثيودادانوس" (مواطنون) الليبرالي الذي أخرج بدوره مخالبه وأفصح عن شروطه للتحالف مع الحزب الشعبي، والتي تمر أساسا بتنحي راخوي الذي ارتبط اسم حزبه تحت قيادته بعدة فضائح مالية وسياسية، بحسب تصريحات زعماء هذا الحزب الليبرالي الناشئ الذي يمثل وجهات نظر جزء من طبقة رجال الأعمال الإسبان.

أما وقد حددت معظم الأحزاب مواقفها، فثمة قناعة واحدة حسب فرنانديث ألبيرتوس مفادها أن على إسبانيا الآن التعود على ثقافة سياسية لم تعهدها من قبل، وهي احتمال قيادة حكومة بدون أغلبية برلمانية، وهو المعطى الذي قد يعقد مهام الإدارة المقبلة للتصديق على بعض القوانين وإجراء إصلاحات هيكلية هامة تحتاج إلى إجماع برلماني واسع.

واختتم المحلل السياسي الإسباني بالقول إن "علينا أن نرى أيضا الوجه المشرق لمثل هذه الظرفية السياسية الراهنة، فهي ستساعد على دعم ثقافة الحوار بين القوى السياسية والتعايش مع وضع لم نعهده من قبل، وهو نهاية ثنائية القطبية الحزبية".

هذا التعايش إن لم يتحقق، قد يعجل بانتخابات ثالثة يُجمع الإسبان على أن تداعياتها قد تكون كارثية على البلاد، وستثبت أن روح الوفاق التي عاشتها إسبانيا إبان الانتقال إلى العهد الديمقراطي عام 1977 غائبة حاليا عن أفئدة الزعماء السياسيين.

المصدر : الجزيرة