في مياه بنما الساخنة، ترسو مجموعة من السفن التجارية تنتظر دورها لعبور قناة بنما الشهيرة، قبل إكمال طريقها نحو آسيا المتعطشة للنفط والغاز المسال، أو باتجاه أسواق أميركا التي تستهلك منتوجات آسيا بشراهة.

ناصر الحسيني-بنما سيتي

يبدو أن شروط اللعبة في عالم النقل البحري قد تتغير، وذلك بعد تدشين بنما الأحد الماضي ممرا مائيا في قناة بنما تستطيع السفن الضخمة عبوره بسهولة وسلاسة، وهو ما اعتبره البنميون نوعا من "تحقيق الاستقلال" بعيدا عن هيمنة الشركات الكبرى والقوى العظمى، خاصة الأميركية.

ويبلغ طول الممر الجديد ستة كيلومترات وبعمق خمسين مترا، كما زودته بنما بأحدث الوسائل التقنية للتحكم بالمياه ومستوياتها، لتتم عملية عبور الناقلات الضخمة بسلام.

وكانت السفن العملاقة تضطر إلى المرور عبر قناة السويس المصرية التي تتسع للسفن المحملة بأكثر من خمسة آلاف حاوية.

المشروع الذي استغرق تسع سنوات من البناء و التشييد، حظي بدعم كبير بعد استفتاء شعبي أعطى الضوء الأخضر لعمليات التحديث.

ويدرك مسؤولو بنما أن بلادهم تحظى بموقع إستراتيجي لا مثيل له، يجعلها محط الأنظار في عالم النقل البحري.

وتقع بنما بأميركا الوسطى على أرض تربط عمليا بين شمال القارة الأميركية وجنوبها، حيث تبدأ أراضيها شمالا من ضفاف المحيط الأطلسي، لتطل جنوبا على المحيط الهادي ضمن مسافة لا تتعدى ثمانين كيلومترا.

حاويات تنتظر المرور في قناة بنما (الجزيرة نت)

ويقول المسؤولون في بنما إنهم يلعبون دورا أساسيا في مجال النقل البحري ضمن الاقتصاد العالمي، كما تعتبر قناة بنما الممر الحيوي الذي لا مفر منه لما لا يقل عن 140 طريقا بحريا عالميا، باتجاه 1700 ميناء حول العالم في 160 دولة.

ويروي مسؤولو بنما كيف أن بلادهم عانت من العجز عن توسيع وتطوير قناتها لمجاراة التطورات السريعة في عالم النقل البحري، والتي كانت لا تستوعب مرور السفن الضخمة العملاقة التي تفوق حمولتها خمسة آلاف حاوية.

الهيمنة الأميركية
وقد فطنت القوى الاستعمارية الغربية منذ القرن الماضي لهذا الموقع الإستراتيجي، فسعت إلى الاستحواذ على بنما، مما أدى إلى تشييد قناة بنما التاريخية عام 1914 من القرن الماضي، قبل أن تتحول ملكيتها بشكل كامل عام 1988.

ولوحظ أن الشركات الأميركية الكبرى التي كانت تسعى للحصول على عقد البناء لم تقدم العروض المالية المناسبة، فاختارت بنما شركات أوروبية بمشاركة السواعد المحلية لإتمام عملية التوسيع.

وكانت صحف أميركية شككت في فعالية وسلامة قناة بنما وممرها المائي الجديد، فقد نشرت تحقيقات تؤكد أن المنطقة معرضة للزلازل، وأن الحواجز المائية غير آمنة لأنها شُيدت بميزانيات ضعيفة.

وفي هذا السياق، يقول الخبير المالي أوفيديو إيسبينو إنه يشمّ في تلك المقالات رائحة الشركات الأميركية التي لم تتمكن من الفوز بحصتها في عروض توسيع قناة بنما.

احتفالات بافتتاح قناة بنما الأحد الماضي (الجزيرة نت)

واعتبر إيسبينو -مؤلف كتاب "كيف خلقت وول ستريت دولة" الذي يروي المرارات التي دارت حول بناء قناة بنما القرن الماضي- أن بنما وطبقتها المثقفة والسياسية لطالما شعرت بالدونية أمام القوة الأميركية التي "تهيمن على محميتها بنما".

ويرى -في تصريحات خاصة للجزيرة نت- أن نجاح القناة الجديدة بعيدا عن هيمنة الشركات الأميركية "فيه نوع من التحدي و تجاوز للإحساس بالدونية".

وأكد أنه "نوع من تحقيق الاستقلال" وانبعاث جديد لدولة نامية مثل بنما بعيدا عن هيمنة الشركات الكبرى والقوى العظمى.

وعشية افتتاح قناة بنما بشكلها الجديد، ستجد بنما نفسها -بحسب كثيرين في بنما سيتي- في منافسة مباشرة مع قناة السويس المصرية التي لطالما استحوذت على عبور السفن الضخمة، من خلال إعطاء تخفيضات في أسعار العبور تبلغ 60%.

ويقول البنميون ردا على أسعار مصر إن الأهم هو وصول البضائع بسرعة عبر قناة بنما، بدلا من التأخير عدة أيام عبر قناة السويس.

وستكون السوق العالمية للنقل البحري حَكَما بين الطرفين، ولكن بالنسبة لكثيرين في بنما، فإن الأهم -في هذه المرحلة على الأقل- هو تمكن بنما من التشييد دون حاجة للولايات المتحدة و شركاتها وأموالها.

المصدر : الجزيرة