محمود عبد الواحد-الجزيرة نت

رغم الثمن الباهظ الذي تكبدته قوات عملية البنيان المرصوص العسكرية الموالية لحكومة الوفاق الوطني الليبية في حربها على تنظيم الدولة الإسلامية في معقله بمدينة سرت الساحلية، فإن الانتصارات التي حققتها على التنظيم فاجأت الجميع بمن فيهم الأطراف الدولية.

فبعد معارك عنيفة كلفت عملية البنيان 230 قتيلا ونحو ألف جريح منذ انطلاقها في الخامس من مايو/أيار الماضي، بات التنظيم محاصرا من جميع الجهات داخل الأحياء السكنية في مساحة لا تتعدى خمسة كيلومترات مربعة.

ويخوض مقاتلو التنظيم حرب شوارع مع قوات البنيان بعد أن تمكنت الأخيرة من استعادة السيطرة على غالبية المناطق في سرت ومحيطها والتي ظلت تحت سيطرة التنظيم طيلة عام، إضافة إلى أكثر من 150 كيلومترا على الطريق الرابط بين منطقة السدادة شرق مصراتة حتى تخوم سرت، بما فيها البلدات المنتشرة على جانبي الطريق كبلدة أبو قرين غربا مرورا بالوشكة والهيشة وزمزم وأبو نجيم جنوبا، وحتى منطقة بويرات الحسون غرب سرت.

قوات عملية البنيان المرصوص التابعة لمجلس رئاسة الحكومة في طريقها إلى منطقة أبو قرين بداية الشهر (الجزيرة)

اقتحام الأحياء
وذكر رئيس المركز الإعلامي لعملية البنيان المرصوص أحمد هدية، أن التنظيم يستخدم المدنيين العالقين داخل الأحياء السكنية دروعا بشرية لمنع تقدم قوات البنيان، وفي هذه الحالة يتعذر على سلاح الجو التابع لعملية البنيان في بعض الأحيان استهداف مواقع التنظيم داخل الأحياء السكنية. 

لكن بعض قيادات البنيان المرصوص ترى ضرورة التأني في اقتحام الأحياء السكنية التي يتحصن داخلها مقاتلو التنظيم خشية أن تخسر مزيدا من قواتها، خاصة أن التنظيم يعتمد في مقاومته على زرع الألغام في المناطق التي ينسحب منها، وعلى العمليات الانتحارية بسيارات ملغمة وأحزمة ناسفة.

في المقابل، تفضل قيادات البنيان استمرار استهداف مواقع التنظيم عن بعد بمدافع الهاوزر والغارات الجوية الدقيقة، كي تتمكن من إنهاكه قبل أن تصطدم به وجها لوجه، وهو ما أجل حسم المعركة.

الغصري: قوات البنيان قد تواصل تقدمها شرقا أو جنوبا فقط (الجزيرة)

وعود دولية
ومع هزيمة التنظيم، تبددت المخاوف الغربية من "شبح الإرهاب" الموجود في سرت، الواقعة على بعد ثلاثمئة كيلومتر من شواطئ جزيرة لامبيدوزا الإيطالية.

كما أن سرت كانت أكبر معقل للتنظيم، ليس فقط في ليبيا بل في أفريقيا والعالم العربي بعد الرقة في سوريا والموصل في العراق، وفي ظل الحظر الدولي المفروض على استيراد ليبيا الأسلحة منذ 2011، اعتمدت قوات البنيان على ما لديها من أسلحة وذخائر قديمة.

واعتبرت قيادات عسكرية في عملية البنيان المرصوص أن المجتمع الدولي لم يف بوعوده بدعم حكومة الوفاق بالأسلحة في حربها على الإرهاب، رغم تعهد وزراء خارجية دول الاتحاد الأوربي وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بدعم حكومة الوفاق الوطني في حربها على تنظيم الدولة.

ورغم أن قرار المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني القاضي بتشكيل عملية البنيان المرصوص العسكرية نصّ على استعادة السيطرة فقط على مدينة سرت وكل ما يقع داخل حدودها الإدارية، يرى الناطق باسم عملية البنيان المرصوص العميد محمد الغصري أن "قوات البنيان قد تواصل تقدمها شرقا أو جنوبا فقط في إطار مطاردة عناصر التنظيم الفارين من سرت".

تعليمات رسمية
واستبعد الغصري أن تواصل هذه القوات تقدمها باتجاه قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر المتمركزة في منطقة حقول النفط بوسط ليبيا إلا بتعليمات رسمية من حكومة الوفاق، فلا طاقة لحكومة الوفاق بـ"فتح جبهة حرب جديدة"، بحسب قوله.

وإضافة إلى المكاسب التي حققتها قوات البنيان على الأرض، تبرز أهمية معركة سرت -بحسب الغصري- في اكتساب هذه القوات العقيدة العسكرية المتمثلة في الخبرة الميدانية وإطاعة الأوامر، مما يؤهلها لأن تكون نواة الجيش النظامي الرسمي للدولة باعتباره تابعا لحكومة الوفاق المعترف بها دوليا، خاصة في ظل تعدد التشكيلات المسلحة غير المعترف بها وتعدد انتماءاتها وتوجهاتها بقدر تعدد الانقسامات التي تشهدها البلاد.

المصدر : الجزيرة