أحمد الأمين-تمبكتو

بإمكانك أن تعثر على أي شيء حين تزور تمبكتو اليوم، إلا ما عُرفت به جوهرة الصحراء من ألق ثقافي، وغنى تراثي، فـ"كل المكتبات أفرغت من محتوياتها، ونُقلت أغلب المخطوطات إلى باماكو أو أماكن أخرى، وباتت المدينة أشبه بأطلال لا تجد من يذكرها".

بمرارة كبيرة يعرض المكتبي بمعهد أحمد بابا للعلوم في تمبكتو "بويا حيدرا" تلك الحقيقة، وبحسرة شديدة ينطق تلك العبارات وهو منكب على ترميم أحد الكتب، كأنما يضمد جراح أحد أبنائه.

تخرج كلمات حيدرا مشحونة بالألم وهو يتحدث لمراسل الجزيرة نت أثناء جولة بمعهد أحمد بابا للعلوم في تمبكتو، الذي كان يضم أكبر عدد من المخطوطات في هذه المدينة، قبل أن تنقل عام 2012 إلى العاصمة المالية باماكو بحجة حمايتها والحفاظ عليها.

بويا حيدرا يرمم أحد الكتب بعناية (الجزيرة)

"التهديدات والمخاطر" رُفعت شعارا لتبرير نقل عشرات آلاف المخطوطات من مدينة تمبكتو إلى خارجها أو تخزينها في أماكن سرية، لتصبح المدينة بلا مكتبات، وتفقد روحها وأهم مميزاتها، وفقا لتعبير عمدتها هلا عثمان.

أغلقت مكتبة "مما حيدرا"، إحدى أشهر مكتبات تمبكتو وأغناها بالمخطوطات، ونقلت محتوياتها إلى باماكو، وغابت "مكتبة وانكاري" و"مكتبة تمبكتو الأندلسية" وعشرات المكتبات الأخرى، وبدا معهد أحمد بابا خاليا إلا من مطبوعات قليلة تحتفظ بها قاعته الرئيسية، وعدد محدود من المخطوطات في إحدى قاعاته الثانوية.

تراورى: المخطوطات مهددة بالتلف
نتيجة الرطوبة (الجزيرة)

في "دار غربتها الجديدة" لم تحظ المخطوطات بالحفاوة ولم تحتفظ بشهرتها، وبدت خارج سياق زمان من يستضيفونها.

في شارع خلفي، ومبنى متواضع، لا ملامح له ولا عنوان في حي "كالا بانكورا" بالضاحية الجنوبية لباماكو توجد تلك الكنوز اليوم بعيدا عن مدينة تمبكتو وأهلها، تهددها الرطوبة، وغياب الوسائل الملائمة للحفظ، حسب رئيس قسم الوثائق بالمعهد إدريسا تراورى.

ويقول تراورى للجزيرة نت إن أغلب هذه المخطوطات وضعت في صناديق من الورق بهدف حفظها، لكن ذلك لا يكفي، فالمكان غير مناسب للتخزين، والرطوبة عالية، وذلك يعرضها للتلف، وعليه فمن الضروري عودة المخطوطات إلى موطنها. 

أكثر من 27 ألف مخطوط نقلت من معهد أحمد بابا في تمبكتو بشكل سري عام 2012 بهدف حمايتها من مخاطر التدمير، وفقا لتقديرات إدارة المعهد التي توجست يومها من تعرض تلك المخطوطات للإتلاف من التنظيمات "الجهادية" التي سيطرت على المدينة، حسب ما يقوله محمد القاضي ميغا الذي تولى الإشراف على عمليات النقل.

ورغم إشرافه على نقل المخطوطات، فإن ميغا لا يبدو اليوم سعيدا بهذا الإجراء، ويرى أنه "تم تضخيم المخاطر التي كانت تتعرض لها مكتبات تمبكتو، فالحركات الإسلامية لم تكن تشكل تهديدا للمخطوطات، وقد أمضى المسلحون تسعة أشهر في مباني المعهد، ولم يتعرضوا لمحتوياته ولا للعاملين فيه".

وتبعا لذلك، ينفي ميغا إقدام من يسميهم المسلحين الإسلاميين على إحراق مخطوطات المعهد، ويقول إنه "لو أراد هؤلاء إتلافها لفعلوا وهم يسيطرون".

سالم ولد الحاج: الإسلاميون لم يحرقوا
أي مخطوطات (الجزيرة)

ومن جانبه، يرى المؤرخ سالم ولد الحاج الذي ألف عدة كتب عن تاريخ تمبكتو أن "ما أثير حول حرق المسلحين الإسلاميين للمخطوطات مبالغ فيه، فمن أقدم على الحرق ليس هؤلاء، وما تعرض للحرق أقل بكثير مما ذكر".

ويرى ولد الحاج في حديث للجزيرة نت أن "عمليات الحرق جاءت لتغطية عمليات سرقة المخطوطات من طرف بعض الأشخاص، وقد استغل الفرنسيون والحكومة المالية ذلك لإظهار خصومهم بوصفهم أعداء للحضارة الإنسانية، كما أرادت أطراف أخرى الاستفادة من الحادث للحصول على تمويلات من اليونيسكو وغيرها من الهيئات المهتمة بالثقافة".

ويضيف أن "كل هؤلاء حصلوا على ما أرادوا لكن الحقيقة غابت، ومخطوطات المدينة بقيت خارجها يهددها الضياع".

المصدر : الجزيرة