الحسن أبو يحيى-الرباط

تحلّقت صديقات السعدية حولها يضربن الدفوف ويرددن أهازيج الأعراس احتفالا بشفائها من السرطان في كنف جمعية جنات التي ما فتئت تقدم لهن المأوى والملاذ النفسي وتساعدهن على تحمل تجربة العلاج الطويلة والقاسية، حتى وجد بعضهن في الجمعية عائلة ثانية.

عَلمُ المغرب والمصابيح الملونة يزينان المكان، والتمر والحليب يزاحمان أطباق الحلوى والمكسّرات، بينما امتزجت زغاريد النساء بروائح البخور المتسللة من نوافذ القاعة الكبرى في جمعية جنات لإيواء مرضى السرطان، لتداعب أنوف المارة في شارع المسيرة الشعبي بالعاصمة الرباط.

وبدت السعدية (42 عاما) كأنها عروس في ليلة زفاف وقد ارتدت قميصا أبيض، وتزينت بالحناء والحلي، حيث تحتفل الجمعية بتماثلها للشفاء، لكن البريق الثاوي وراء عينيها المكتحلتين يخفي قصة امرأة نهش السرطان جسدها، وأضناها المسير في رحلة علاج استغرقت ثلاث سنوات قضتها في رحاب جمعية جنات التي أسستها خديجة عادل القرطي (65 سنة) لتواسي المريضات بهذا المرض.

ويقول المسؤول بالجمعية عبد الله ساسيوي إنهم لم ينظموا مثل هذا الحفل منذ سنتين، وإنهم يحرصون على بث الأمل في نفوس نزيلات الجمعية.

ويضيف أن الطابق الأول لمقر الجمعية يؤوي 12 مريضة، بينما يخصص الطابق الذي يعلوه للإدارة والاجتماعات ويضم الطابق الأرضي المطبخ وقاعة الطعام، ويوضح أن المقر كان مسكنا لخديجة -التي يسمونها "أمي خديجة"- قبل أن تقرر تحويله إلى مأوى للمصابات بالسرطان الوافدات على مستشفى مولاي عبد الله.

وسبق أن عايشت خديجة معاناة مرضى السرطان أثناء مرافقتها لزوجها وأختها المصابين بالداء الذي يفتك بحوالي 30 ألف مغربي سنويا، وقد كان زوجها أحد ضحاياه بعد أربع سنوات من العلاج.

خديجة القرطي تعرب عن سعادتها بنجاح مبادرتها وتحولها إلى جمعية قانونية (الجزيرة)

تجربة خديجة
تقول خديجة إنها قررت قبل ثماني سنوات أن تفتح بيتها وقلبها للمصابات بالسرطان، وأن تقتسم معهن مأكلها ومشربها ومسكنها، كما أوصت أبناءها بأن يستمر هذا العمل بعد وفاتها، وهي تعرب عن سعادتها بنجاح مبادرتها وتحولها إلى جمعية قانونية تتلقى الدعم من جهات رسمية وأهلية.

من جهتها، تقول إحدى نزيلات الجمعية، وتدعى ميلودة إن ترحيب "أمي خديجة" بها لا يزال يتردد صداه في وجدانها إلى اليوم منذ أن رأتها أمام باب بيتها سنة 2010، وتضيف أنها شاهدة منذ تلك السنة على توافد عشرات المريضات اللواتي كان اجتماعهن اليومي ملاذا نفسيا لكل واحدة منهن، وحصة علاج جماعي بالحديث عن المواجع.

وتقول ميلودة القادمة من مكناس إنها كانت تتحرق شوقا في مدينتها في انتظار موعد حصة العلاج للقاء صديقاتها بالجمعية، حيث كن يتشاركن تجاربهن ويستمتعن بالرحلات الترفيهية وجلسات المسامرة.

وبالرغم من طول رحلة علاج ميلودة، فهي لا تزال تواصل كفاحها في صمت وثبات منذ ست سنوات، وترشد المريضات الوافدات على الجمعية وتحاول التخفيف عنهن بحكم تجربتها مع العلاج الكيميائي، حيث تؤكد التقارير الطبية أن العلاج الذي يقتل الخلايا السرطانية يضر في المقابل بالخلايا الطبيعية ويتسبّب في تساقط الشعر وانخفاض إنتاج خلايا الدم والتهاب الجهاز الهضمي.

إحدى الرحلات الترفيهية التي نظمها الجمعية للمريضات (الجزيرة)

خطة للتوسع
وتأمل خديجة أن تنتشر هذه التجربة بباقي المدن المغربية، وأن تتمكن جمعيتها من إنشاء مركز لديه ما يكفي من الأسرّة والإمكانيات لاستقبال الوافدات اللواتي يفوق عددهن إمكانيات الجمعية الحالية، حيث لا تستطيع إيواء أكثر من 24 مستفيدة.

وقبل أن تغادر الجزيرة نت مقر الجمعية، رنّ جرس الباب لتنهض ميلودة وتستقبل وافدة جديدة، وهي سيدة تبلغ من العمر 36 عاما قدمت من مدينة وزان، وقد بدت خائرة القوى حزينة النظرات مع أنها لم تبدأ بعد رحلة العلاج.

وتحلّقت حولها بعض المريضات للتخفيف عنها، فوجهها الشاحب ينطق بالوحشة والخجل والقلق والاغتراب، وارتدادات صدمة إصابتها بهذا الداء تحيط بوجدانها، ولا خيار أمامها سوى مواجهة المرض، لكن صديقاتها الجدد طمأنّها وتفاءلن بأن تُزف يوما ما "عروسا" ناجية من السرطان.

المصدر : الجزيرة