الحاجة أم رضوان الشيخ خليل الملقبة "خنساء فلسطين" عاشت 75 عاما، زفت خلالها عشرة شهداء: خمسة من الأبناء، وثلاثة من الأحفاد، وشقيقها وصهرها، كما هدم بيتها وشردت أسرتها، دون أن يثنيها ذلك عن مواصلة رحلة الصمود بوجه الاحتلال حتى وفاتها.

هشام زقوت-رفح

لم تكن امرأة عادية، فهي لم تبالِ يوما بتهديدات الاحتلال أو حتى بقصف وقتل أبنائها الخمسة الذين ودعتهم واحدا تلو الآخر، بل استمرت في رحلتها الطويلة من المقاومة والصمود.

الحاجة أم رضوان الشيخ خليل التي عاشت 75 عاما وهي تحلم كل يوم، وتعمل كل ما في وسعها، من أجل تحقيق حلمها بالعودة قبل وفاتها إلى بلدتها "يبنا" التي هجّرتها إسرائيل منها رغما عنها.

على مدار عدة أعوام قتل الاحتلال الإسرائيلي أبناءها الخمسة محمد وأحمد ومحمود وأشرف وشرف، ولم يكتف بذلك، بل قتل أحفادها الثلاثة رائد وخالد الغنام وحسن أبو زيد، وزوج ابنتها خالد عواجة، كما استشهد أخوها خضر الجزار.

رباط مع المقاومين
تضحيات عظيمة، وقدرة على التحمل لا توصف، هكذا وصفها قيادي في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي قابلته الجزيرة نت خلال موكب التشييع في مدينة رفح جنوب قطاع غزة.

وعن الحاجة أم رضوان يقول القيادي في سرايا القدس -الذي فضل عدم ذكر اسمه- "رغم كل ما فعله الاحتلال، فإنه لم يثنها عن الاستمرار في المقاومة، بل كانت تصر على المشاركة في الرباط مع المقاومين على الحدود".

ويضيف "إننا اليوم نودع أم المقاومين وخنساء فلسطين، ونحن واثقون أننا سنحقق حلمها وحلم جميع الفلسطينيين بالعودة إلى ديارنا، ونعدها باستمرار نهج المقاومة حتى تحرير أرضنا".

هنية والشيخ نافذ عزام عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد وقيادات فصائلية يحملون نعش الحاجة أم رضوان (الجزيرة)

أما عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي محمد الهندي فيصف الحاجة أم رضوان بأنها "ليست كأي امرأة، بل هي أسطورة قدمت أبناءها شهداء وهي صابرة صامدة ثابتة".

ويقول الهندي أثناء تشييعها إن "الفقيدة كانت تدرك بفطرتها السليمة النقية أن الأم الفلسطينية تخوض معركة من نوع آخر عندما تربي أبناءها على المقاومة".

ويضيف أن "ذكراها لن تبقى للجهاد والمقاومة فقط، وإنما ستكون رمزا للإسلام والمسلمين".

ولم يتأخر عن وداعها اليوم أحد، فلا يختلف اثنان في غزة على تضحياتها حتى باتت رمزا فلسطينيا يعرفه كل سكان القطاع، فجمعت جنازتها الكل الفلسطيني.

ووصفها القيادي في حركة المقاومة الإسلامية حماس إسماعيل هنية بأنها "النموذج الذي قل نظيره في عالمنا هذا".

وأضاف أنها "امرأة قدمت خمسة من أبنائها، وثلاثة من أحفادها، وشقيقها، وصهرها، وهدم الاحتلال بيتها وشرد أسرتها بعد رحلة التهجير، ورغم ذلك كان لديها المزيد من البذل والعطاء لهذا الوطن".

وأكد هنية أن مشاركة الآلاف وفي مقدمتهم قادة الفصائل الفلسطينية، دليل قاطع على تمسك الشعب الفلسطيني -رغم عظم التضحيات والمحن- بخيار المقاومة.

فصول من المعاناة
ويتذكر كل من التقى الحاجة أم رضوان كيف كانت قوية وصابرة عند تلقيها نبأ استشهاد أبنائها، وتقول في إحدى المقابلات التي أجريت معها إن استشهاد ابنها أشرف الذي كان أعز أبنائها على قلبها، هو الأكثر ألما، ورغم ذلك استقبلت نبأ استشهاده برضا عظيم، كما استقبلت المهنئين والوافدين، وما هي إلا سنوات حتى تكرر المشهد.

 جانب من صلاة الجنازة على الحاجة أم رضوان (الجزيرة)

وتضيف "طورد أبنائي الواحد تلو الآخر، ومع اشتداد هجمة الاحتلال اضطر أبنائي للسفر إلى الخارج، كما كان يفعل المطارَدون لتخفيف الضغط على عائلاتهم من الاقتحامات التي تكاد تكون شبه يومية، فقررت السفر إليهم، فالتقيت بابني محمد، وسألته عن شقيقه أشرف، فأخبرني أنه في تدريب للضفادع البشرية في عرض البحر فانتظرته على أمل اللقاء، ولكن لم يكن لي ذلك، فقد زُفَّ إلى شهيدا".

وتكمل أم رضوان فصول معاناتها بفقدانها أبنائها الخمسة قائلة "ذات يوم وأثناء وجودنا في المنزل استهدفت طائرات الاستطلاع منزلنا فاستشهد محمود.. حزنت عليه كثيرا لكونه أصغر أبنائي، لكن ما صبرني أنه بإذن الله سيلتقي بإخوانه، وما هو إلا عام فقط حتى قصفت طائرات العدو سيارة كان ابني محمد بداخلها واستشهد هو الآخر".

وبعد مدة ليست طويلة جاءها نبأ استشهاد ابنها الخامس وهو أحد قادة سرايا القدس، فاستقبلت نبأ استشهاده بثبات وصبر، لكنها دعت الله هذه المرة أن يجمعها بهم.

ولم تكن أم رضوان الخنساء الفلسطينية الوحيدة، فقد سبقتها أم نضال فرحات السياسية الفلسطينية والنائبة في المجلس التشريعي، التي قدمت ثلاثة من أبنائها شهداء في معركة متواصلة مع احتلال يقول الفلسطينيون إنه لا يفهم إلا لغة القوة.

المصدر : الجزيرة