تمبكتو تأسست بداية القرن الحادي عشر الميلادي على نقطة تماس بين نهر النيجر والصحراء الكبرى، وطبقت شهرتها الآفاق وأصبحت ملتقى للطرق التجارية، وبلغت أوج مجدها العلمي والاقتصادي في عهد مانسا موسى بعد رجوعه من رحلة حجه عام 1325م.

أحمد الأمين-تمبكتو

تستحضر وأنت في طريقك إلى تمبكتو ذلك الألق الثقافي والتاريخ العلمي، تستدعي ذاكرتك -دون أن تستشيرك- تلك الحكايات التي جعلت من المدينة أسطورة الصحراء وجوهرتها، ومثار الخيال عند الرحالة والمؤرخين وكتاب الرحلات.

يسيطر عليك الحلم بزيارتها، فيخيل إليك أنك تستنشق عبق التاريخ وتقرأ أسفاره في مكتباتها الزاخرة، وتستنطق شخوصه في مساجدها ومبانيها، وتتقفى آثار القدماء بين الحيطان وفي الشوارع، وفي حكايات شيوخ هذه المدينة.

لكنك لا تلبث أن تستيقظ من حلمك الجميل هذا حين تلامس قدماك أرض المدينة هذه الأيام.. تقترب من تمبكتو فتنقلب الأمور.. تنسى كل الحكايات والروايات التي قرأتها أو سمعتها حين تبدو لك جوهرة الصحراء تائهة مشتتة الأفكار.

تقترب من حياة أهلها فتكتشف واقعا آخر غير ما قرأته، تختطفك الوجوه الحائرة وعيون سكان المدينة الشاردة، تشعر وأنت تتجول في شوارع جوهرة الصحراء وحشة ترسلها النظرات الراصدة من كل جانب، يتفرسك بعضها ويرقبك الآخر.

هلا عثمان: المدينة خلت من كنوزها الثقافية وروحها الحضارية (الجزيرة نت)

ماض مجيد
وحين تحاول الاقتراب أكثر بحثا عن جزء مما علق بذهنك عن المدينة لا تجد سوى الذكريات، وحتى هذه الأخيرة لا تكاد تلقى من يرويها لك، فيحاصرك الإحباط، وتضيع بين الوجوه الشاحبة وتنسى زمانك ومكانك قبل أن يتبرع عابر سبيل بإعادتك إلى الواقع وقد اصطدم بك في تقاطع على طريق رحلة ضياعكما المشتركة.

المدينة تأسست بداية القرن الحادي عشر الميلادي على نقطة تماس بين نهر النيجر والصحراء الكبرى، وطبقت شهرتها الآفاق وأصبحت ملتقى للطرق التجارية، وبلغت أوج مجدها العلمي والاقتصادي في عهد مانسا موسى بعد رجوعه من رحلة حجه عام 1325م التي وزع خلالها آلافا من سبائك الذهب، مما تسبب في هبوط أسعاره، وعاد بمهندس أندلسي أشرف على بناء مسجد "جينغيرى بير" الذي شكل صرحا علميا شهيرا.

وتوالت معالم النهضة ببناء جامع سانكورى، وشاع الإنفاق السخي من التجار على دور العلم، فوصل عدد المدارس حسب بعض المؤرخين في ذلك الوقت إلى 180 مدرسة، تضم أكثر من 25 ألف طالب.

لكن جوهرة الصحراء، وحاضرة الثقافة العربية، وحاضنة الإسلام في الصحراء الكبرى ومنارة العلم، تحاول اليوم العيش على تاريخها، وما سطر في الأسفار من ذكرياتها، لكن الظروف تمنعها حتى من ذلك، فقد غُرِّبَتْ ذاكرتها قسرا -حسب تعبير أحد أبنائها- يوم نقلت مخطوطاتها إلى باماكو.

معلم الأرواني، أسرة قضاة اشتهرت في تمبكتو (الجزيرة نت)

حاضر بائس
اليوم لا شيء في هذه المدينة الأسطورية يبدو طبيعيا، فقد "خلت من أهلها وهجرها سكانها، أفرغت من كنوزها الثقافية وروحها الحضارية" كما يقول عمدتها هلا عثمان بمرارة أثناء حديثه للجزيرة نت عن واقع الحياة في المدينة بعد ثلاث سنوات ونصف من إخراج التنظيمات المسلحة منها.

ورغم عودتها إلى الحضن المالي لا يلمس الزائر أي مؤشر على ارتباط تمبكتو بالجنوب، فالبضائع الموجودة في السوق مصدرها الشمال (الجزائر وبلدان عربية أخرى)، والسكان على قلتهم من الشمال، وضيوف المدينة في معظمهم عسكريون من "شمال الشمال".

اليوم يصارع الناس هموم الحياة في هذه المدينة، يحكمهم الانشداد إليها والخوف منها، يترقبون كل لحظة حدثا، نادرا ما يكون سعيدا، ويتوقعون رسالة غالبا ما تكون بلغة الرصاص ولون الدم، وتلمس وأنت تتحدث إليهم ذلك الخوف من المجهول، والقلق من المستقبل، والإحساس بمرارة الحاضر.

يقول العديد من سكان المدينة إن أوضاعهم اليوم أسوأ مما كانت عليه أيام حكم التنظيمات "الجهادية"، ويلاحظ عمدة المدينة أنه في ظل حكم تلك التنظيمات "انعدمت الجريمة، أما اليوم فعمليات التلصص حالة مشهودة في إقليم تمبكتو، والناس غير آمنين على ممتلكاتهم عندما يخرجون من المدينة".

المصدر : الجزيرة