أسامة عبد المقصود-باريس

 يتحول مسجد باريس في رمضان إلى ملتقى لجميع مسلمي العاصمة الفرنسية في أجواء روحانية متميزة. ولم تمنع الأحوال الجوية المتقلبة وهطول الأمطار آلاف المسلمين من التدفق بأفواج كبيرة على المسجد لأداء صلاة ثاني جمعة في الشهر المبارك.

متفحص وجوه جل الخارجين من محطة مترو أنفاق "بلاس مونج"، يلاحظ تقاطر المسلمين -وأغلبهم من ذوي الأصول العربية- في مسار واحد باتجاه المسجد القريب من المحطة، مما يسهل على زائر البلاد للمرة الأولى الوصول إليه.

كتب على منبر مسجد باريس عبارة "من فؤاد الأول ملك مصر" عام ١٩٢٩ (الجزيرة)

وقبل رفع الأذان كان المسجد -الذي بني عام 1926 على مساحة 7500 م2 وساهمت فرنسا في تمويله- والساحات المحيط به، قد امتلأت عن آخرها بالمصلين، بينما اضطر آخرون إلى التراص وقوفا لعدم وجود أماكن للجلوس.

وركزت الخطبة في البداية على فضل الأيام العشرة الوسطى لشهر رمضان، واستثمار ما تبقى في الشهر المبارك في العبادات والطاعات وبذل الخيرات قبل انقضائه.

وانتقل الخطيب بعدها من على منبر كتبت عليه عبارة "من فؤاد الأول ملك مصر" عام ١٩٢٩، إلى الحديث نحو ٢٥ دقيقة باللغتين العربية والفرنسية في خطبة تناولت مواضيع من بينها حادثة مقتل شرطي وزوجته في ضواحي باريس قبل أيام، وأدان هجمات القتل باسم الدين، كما ندد بعملية أورلاندو التي أوقعت عشرات القتلى والجرحى في ملهى للشواذ في الولايات المتحدة، مستنكرا وضع المهاجمين أنفسهم في موضع إصدار الأحكام والتنفيذ وقتل الأبرياء، حسب قوله.

صلاة وتعليم
بعد الصلاة انتظم كثير من المصلين في حلقات قراءة القرآن والذكر، تضم كل واحدة منها بضعة أشخاص لا يجمعم إلا الإسلام، فسحنات وجوهم وملامحها مختلفة، ومنهم من يفطر بالمسجد إذ سبق الإخبار قبل خطبة الجمعة عبر مكبر الصوت عن إقامة موائد إفطار للمحتاجين في المسجد يوميا.

ساحات مسجد باريس تضيق بالمصلين يوم الجمعة (الجزيرة)

بعض رواد المسجد أكدوا للجزيرة نت حرصهم على الانتظام في أداء الصلاة بالمسجد لأنه المكان الذي يشعرون فيه بأجواء روحانية يفتقدونها في أماكن عملهم أو دراستهم في بلد أوروبي كفرنسا.

ويحرص بعض المصلين على اصطحاب أبنائهم إلى الصلاة، ويقول عيسى -وهو مغربي مقيم في باريس- "إن اصطحاب أبنائي معي إلى المسجد يربطهم بدينهم ويعزز علاقتهم بالثقافة الإسلامية في ظل مجتمع يمثل فيه المسلمون أقلية".

وتتجاوز أدوار مسجد باريس ما هو ديني تعبدي إلى أدوار ثقافية وسياسية، حيث فتح أبوابه أكثر من مرة أمام المواطنين الفرنسيين وغير الفرنسيين للاطلاع على محتوياته والتعرف على الإسلام والحديث مع مسؤوليه، في إطار مبادرة "الأبواب المفتوحة" أمام الجمهور كما حصل في يناير/كانون الثاني الماضي، إذ أراد بها مسؤولو المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية المشاركة في إحياء الذكرى الأولى لهجمات 7 يناير/كانون الثاني 2015 التي كانت وراء تصاعد الحقد على المسلمين بشكل غير مسبوق.

المصدر : الجزيرة