تباينت قراءات رسائل الهدن التي تعلنها روسيا في سوريا رغم التشكيك في التزامها بها، فالبعض يعتبر أن موسكو تريد أن تقول إنها هي التي تملك قرار الحرب والسلم هناك، بينما يرى آخرون أنها مجرد ورقة ضغط سياسية.

رأفت الرفاعي-غازي عنتاب

لم تمض سوى ساعات على إعلان روسيا نظاما للتهدئة يشمل محافظة حلب السورية شمالي البلاد كان قد بدأ بعد منتصف ليل الخميس الفائت؛ حتى أضاف ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية أن بلاده تدعم تهدئة دائمة في حلب.

ومع هذا وخلال الـ48 ساعة -مدة التهدئة المُعلنة- سقط أكثر من أربعين قتيلا من المدنيين في حلب وريفها، في قصف جوي بدأته طائرات النظام بعد أقل من 12 ساعة من إعلان الهدنة، لتنضم المقاتلات الروسية وتشارك في دك أحياء حلب وعدة مواقع في الريف.

تنتمي عمليا دعوات التهدئة التي تعلنها روسيا -الحليف الأبرز للنظام السوري- إلى ميدان التجاذبات السياسية وحساباتها أكثر منها إلى واقع الحال على الأرض.

فحتى الهدن الرئيسية التي تمت برعاية أممية -كهدنة الوعر وهدنة الفوعة الزبداني- شهدت خروقات كثيرة تكاد تكون يومية، مما يجعلها عمليا بحكم المنهارة، وهو ما يجعل عقد هدن دائمة وثابتة أمرا مستحيلا في ظل الظروف الميدانية، فضلا عن أن مثل هذه الهدن ستنسف بالكامل خطاب النظام القائم على تصويره للمعارك على أنها مواجهة لمجموعات إرهابية مسلحة، وبالتالي فإن نجاح الهدن سيحرج النظام أمام مؤيديه بالدرجة الأولى.

ملهم العكيدي: روسيا تحاول دائما أن تظهر بمظهر من يملك مفاتيح اللعبة كلها في سوريا (الجزيرة)

هدن هشة
القائد الميداني والمقاتل في صفوف الجيش الحر أبو عروة الطيباوي، قال للجزيرة نت إن "الإعلان عن التهدئة يعني بالنسبة لنا تحويل كافة الجهود إلى مجال الهندسة العسكرية لتعزيز دفاعاتنا، وتكون القوات المركزية لدينا في حالة جاهزية قصوى لصد هجوم محتمل من قبل قوات النظام التي تجهد لخرق الهدن لاعتقاد النظام أننا سنكون في حالة رخاء بوجود الهدنة، وما كانت هذه التدابير الدفاعية التي قمنا بها إلا لعلمنا بهشاشة الهدن".

أما القائد العام لتجمع ألوية "استقم كما أمرت" -أحد أبرز التشكيلات العسكرية في مدينة حلب- ملهم العكيدي، فيقول إن روسيا تحاول دائما أن تظهر بمظهر من يملك مفاتيح اللعبة كلها في سوريا، لذلك تحرص على إعلان مبادرات وهدن من طرفها، لتوهم الناس أنها هي من يسيطر على قرار الحرب والسلم في سوريا. وهذا غير دقيق، لأن الروس لا يملكون السيطرة على حلفائهم الذين يقاتلون إلى جانب قوات النظام من القوات الإيرانية والمليشيات الطائفية الشيعية.

ويضيف العكيدي أن إعلانات روسيا عن هذه الهدن بالنسبة لمقاتلي المعارضة لا تساوي الحبر الذي كتبت به، ولا معنى لها عندهم على الإطلاق، وفق تعبيره، مشيرا إلى أنهم فوضوا هيئة سياسية تفاوض عنهم وتتحدث باسمهم.

حلب تعرضت خلال الأيام الماضية إلى قصف عنيف من الطيران الروسي والسوري (الجزيرة)

الخيار العسكري
وبرصد الظروف الميدانية قبل وبعد إعلان الهدن من جانب روسيا، فإنها ترتبط بخسارة قوات النظام وحلفائها مناطق إستراتيجية، أو فشلها في اقتحام مناطق إستراتيجية تسيطرعليها المعارضة المسلحة.

فقد جاء إعلان الهدنة الأخيرة بالتزامن مع انهيار دفاعات قوات النظام وحلفائه في ريف حلب الجنوبي، وخسارته مناطق إستراتيجية لم تفلح معها الكثافة النيرانية التي يلجأ إليها النظام، وخصوصا القصف الجوي المركز.

وبحسب مراقبين، فإن إعلان التهدئة في هذه الحالة يعني ترجمة الفشل العسكري إلى أوراق ضغط إضافية في العملية السياسية المتعثرة أصلا، بينما يشير آخرون إلى أن النظام يعمد في بعض الهدن إلى استغلالها لنقل قواته بريا من منطقة إلى أخرى.

أمين سر الائتلاف السوري المعارض نصر حريري، أفاد وبوضوح كامل أن روسيا تكذب في كل ما يمت بصلة للتهدئة أو العملية السياسية، وأن أكثر من 95% من طاقتها تضعها في الخيار العسكري وارتكاب المزيد من جرائم الحرب التي تستهدف المدنيين بالدرجة الأولى، ولا غاية لها إلا حماية نظام بشار الأسد، أما الحديث عن حماية المؤسسات فليس إلا ذريعة لتغطية الجرائم المرتكبة.

وأضاف الحريري أن الجهود الروسية في العملية السياسية ليست لغاية الوصول إلى حل سياسي، بل هي غطاء للاستمرار في الحل العسكري، ومنذ اتفاق وقف الأعمال العدائية كانت المجازر تزيد في كل مرة يُعلن فيها عن هدنة.

المصدر : الجزيرة