جورج حوراني-هلسنكي

في غرفة بمركز إيواء اللاجئين في منطقة هينولا جنوب العاصمة هلسنكي، تقيم أسرة عراقية لجأت أواخر العام الماضي إلى فنلندا بعد أن اضطرت لمغادرة منزلها في بغداد بسبب مآسي الحرب الدائرة في العراق للبحث عن حياة آمنة، تستقبلك جنان رشيد بابتسامة، بعد نهار رمضان الطويل، حيث تستغل الوقت المتاح في إدراك الشهر الكريم من خلال العبادة والصلاة.

وفي إحدى الزوايا يترك القرآن بصماته كقرص الشمس التي لا تغيب إلا قبيل منتصف الليل إيذانا بموعد بدء الإفطار، يتحلق جميع أفراد الأسرة حول المائدة التي تشمل الدولما، الطبق الأكثر شعبية لدى العراقيين.

باتت أطباق رمضان التقليدية تختزل حكايات بطعم الحنين إلى ماض ليس ببعيد، يفتقدون فيه دعوات الأهل والأقارب على الإفطار.

بيد أن رمضان هذه السنة بالنسبة إلى رب الأسرة عادل العبيدي وزوجته جنان وابنتيهما هبة وملاك (١٤ و١٣ عاما) يختلف كثيرا عما عاينوه في السابق، كما هي حال العديد من اللاجئين القابعين في مراكز إيواء اللجوء، حيث تطول في فنلندا فترة الصيام حتى تصل إلى أكثر من 21 ساعة.

العبيدي وأسرته يرتبون المأوى الذي يعيشون فيه ليكون مكانا للعيش اللائق (الجزيرة)

الصلاة استقرار
يبهرك للوهلة الأولى كيف أن الأم استطاعت أن تجعل غرفة اللجوء بما تيسر من أثاث منزلا صغيرا مليئا بالألوان والفرح والإيمان.

تروي في حديث للجزيرة نت تجربة أسرتها في الحفاظ على أجواء رمضان واسترجاع الطقوس الخاصة به في مركز اللجوء، حيث يتشاركون غرف المطبخ وقاعة الطعام مع لاجئين آخرين وفدوا حديثاً من سوريا وأفغانستان.

تقول جنان إنها تحاول وزوجها التمسك بتعاليم الإسلام والتقاليد وتكريس جُل الوقت لمساعدة ابنتيهما في توفير حياة مستقرة وهادئة، وأضافت أن الصلاة وتلاوة القرآن والاستماع للأدعية صارت بالنسبة إليها وسيلة للاستقرار والسكينة في بلد اللجوء.

وحول تحديات طول الصيام وتلك المتعلقة بالقوانين المتبعة داخل المركز، لفتت جنان إلى أن لديها وبقية الأسرة الحرية في ممارسة طقوس الدين، كما أن إدارة المأوى تراعي مواعيد الإفطار والسحور من خلال تعديل برامج توزيع وجبات الطعام.

وقالت إن الجميع واجه صعوبات في البداية بسبب طول ساعات الصيام، لكن سرعان ما تم التأقلم، ومن بين التحديات الأخرى -تضيف جنان- هو قصر المدة الزمنية بين موعد الإفطار والإمساك، وكذلك عدم توافر جميع مستلزمات تحضير الأكلات العراقية.

جنان أكدت تمسكها بالدين والتقاليد وتستغل ساعات رمضان في العبادة وقراءة القرآن (الجزيرة)

رمضان والحنين
يتحلق أفراد أسرة العبيدي حول مائدة الإفطار التي تشمل الدولما (الطبق الأكثر شعبية لدى العراقيين)، وتختزل أطباق رمضان التقليدية في بلد اللجوء حكايات بنكهة الحنين إلى ماض ليس ببعيد، يفتقدون فيه دعوات الأهل والأقارب على الإفطار. فتمتلئ قلوب الجميع اشتياقا إلى بيوتهم وأقاربهم وأصدقائهم في الوطن.

بدوره، يحرص رب الأسرة عادل، الذي كان يملك مطعما صغيراً في بغداد، على تأدية الصلاة وتلاوة القرآن الذي كان رفيق دربه في جميع مراحل رحلة لجوئه الشاقة.

ويعبّر عن شعور بالحسرة والألم في حديثه "عندنا تخسر كل شيء منزلك وممتلكاتك وحتى هويتك فإن ما يبقى لديك هو إيمانك بالله وتصبح زوجتك وأطفالك كل ما تملك".

تسمع هبة وملاك تتهامسان سويا بعبارات هي مزيج من اللغتين الفنلندية والعربية، فينشرح قلب الأب، وترتسم على وجهه ابتسامة قائلا "سوف تتقن بسرعة لغة هذا البلد الغربية، لكني ببساطة لا أستطيع أن أفهم ماذا تريدان قوله".

فهو يعوّل على التمكن من إسعاد ابنتيه، لكنه يشدد في الوقت عينه على ضرورة المحافظة على التقاليد والعادات المسلمة في المجتمع الفنلندي المنفتح.

المصدر : الجزيرة