وجدت العاصمة باماكو في النصب التذكارية أسلوبا خاصا للتعريف بنفسها وبتاريخ نضال وبطولات سكانها من أجل التحرر، ويعتقد مراقبون أن كل واحد من هذه النصب يحكي فصلا من فصول ملاحم الشعب المالي بمسحة جمالية تغري الزائرين.

أحمد الأمين-باماكو

قد لا تملك باماكو من العمارات الشاهقة والأحياء الراقية ما تتباهى به أمام القادمين، لكن ذلك لم يمنعها من ابتكار أسلوبها الخاص في التعريف بنفسها بطريقة ذات بعد رمزي تاريخي، ومسحة فنية جمالية لا تخلو من إبداع تترك أثرها عميقا في نفس الزائر.

منذ اللحظة الأولى تأخذك باماكو في جولة عبر تاريخها من خلال النُّصُب التذكارية، وتكشف لك انتماءاتها الحضارية والجغرافية، مجسدة في شخصيات ورموز لها مكانتها وحضورها في ثقافة الماليين وحضارتهم.

بين الشخصيات الرمزية والمناسبات التاريخية تتنوع النصب في باماكو وتتعدد دلالاتها، تستحضر نضالات الماليين والأفارقة، دون أن تنسى آلام أشقاء في الدين لا يزالون يعانون القتل والتنكيل على يد المحتل الصهيوني في أرض الإسراء والمعراج.

تمثال الزعيم التحرري الكونغولي باتريس لومومبا (الجزيرة )

بطولات
في حي "كالابانكورا" الشعبي بـالضاحية الجنوبية لباماكو يستقبلك نصب "سوغولون" (أو الجاموسة) ليذكرك بملحمة "سوندياتا كيتا" مؤسس إمبراطورية مالي التاريخية، ورمز البطولة لدى قبائل الماندينغا، ثم يستوقفك وأنت تخطو شمالا "نصب السلام" تعلوه تلك الحمامة التي تحاول الإقلاع دون جدوى، تماما كما هي الحال في هذا البلد الذي لا تزال الصراعات تعصف به وتهدد وحدته.

وفي قلب المدينة ينتصب الزعيمان الأفريقيان التحرريان الكونغولي باتريس لومومبا، والغاني كوامي نكروما، وغير بعيد من الأخير يستحضر الماليون علاقتهم بـالمسجد الأقصى والشعب الفلسطيني وشهدائه، من خلال ساحة القدس حيث مجسم الأقصى ونصب الشهيد محمد الدرة.

نصب المدينة تخفف شحوبها وتقدمها بروح جمالية، لكنها أيضا تشكل مصدر اعتزاز لطيف واسع من الشباب المالي، الذي لا يزال الحلم الأفريقي يسكنه، حسب تعبير عضو المكتب التنفيذي لشباب أفريقيا عبد الله سليمان ميغا.

تمثال الزعيم الغاني كوامي نكروما أحد زعماء التحرر الأفريقي (الجزيرة)

ويقول ميغا في حديث للجزيرة نت إن لكل واحد من هذه النصب قصة تذكرك بزمن العزة، فوجود لومومبا ونكروما هو استذكار واحتضان لقادة النضال الأفريقي، ونصب الاستقلال يرتفع في المكان الذي أهان فيه المستعمر أحد الوجهاء الماليين حيث أنزله عن مقعد في اجتماع عام وأجلسه على الأرض ليمنح مكانه لأحد الفرنسيين.

 أما الباحث في مجال التراث ومساعد مدير المتحف الوطني المالي ساليف مالا فيقول في حديث للجزيرة نت إن النصب تحكي فصولا من تاريخ وملاحم الشعب المالي، لتقدمها للأجيال بأسلوب يضفي مسحة جمالية على ما يقرؤونه في المناهج التعليمية، وهي إلى جانب ذلك تحاول أن تقدم هذا التاريخ للزائر ليتعرف على مالي حضارة وشعبا وانتماء.

محطات بارزة
ويشير ساليف إلى أن بعض النصب يجسد محطات بارزة في تاريخ مالي الحديث، كما هو حال نصب الاستقلال الذي يخلد النضال ضد المستعمر، في حين يشكل بعضها تخليدا لملاحم تاريخية، مثل نصب سوغولون (الجاموسة) الذي يجسد إحدى شخوص ملحمة "سوندياتا كيتا" التاريخية، ويرمز إلى الدور المحوري لوالدة الإمبراطور وقواها الخارقة، وفقا للحكايات المؤسِّسَةِ في ثقافة قبائل الماندينغا.

نصب الشهيد محمد الدرة قرب ساحة القدس بالعاصمة باماكو (الجزيرة)

وتجسد ساحة القدس وتمثال "الطفل الشهيد" (محمد الدرة) بعدا آخر في ثقافة الماليين له مكانته الخاصة في النفوس حسب تعبير سليمان ميغا.

ويقول ميغا إن "القدس جزء من مقدساتنا، والمسجد الأقصى ملك لنا كما هو ملك للفلسطينيين، وحين نساند نضالهم فإنما نقوم بواجبنا".

ويضيف بلغة عربية جميلة "رغم بعد المسافة، ومحدودية التواصل فإن الأقصى يبقى في القلب، وتظل نضالات الغزاويين وكل أهل فلسطين مفخرة لكل مسلم وكل حر ومناضل من أجل العدالة والحق، هكذا تعلمنا، وعلى ذلك تربينا".

نصب السلام في العاصمة باماكو (الجزيرة)
ساحة القدس بالعاصمة باماكو (الجزيرة)
نصب الاستقلال (الجزيرة)
 

المصدر : الجزيرة