حولت الدورة السنوية 64 لمؤتمر بيلدربيرغ مدينة دريسدن شرقي ألمانيا لمنطقة مغلقة، وفرض أربعمئة شرطي ألماني حصارا مطبقا حال دون اقتراب الصحفيين أو غير المدعوين للمؤتمر من مكان انعقاده بفندق "تاشينبيرغ باليه".

خالد شمت - ألمانيا

باختتام أعماله بعد مناقشات جرت لأربعة أيام بأجواء من السرية المطلقة، دون الكشف عن مضامينها أو إصدار توصيات أو بيان ختامي حولها، بدا مؤتمر بيلدربيرغ كأنه يعزز اتهام معارضي العولمة وأنصار نظرية المؤامرة له بتشكيل "دولة عميقة للعالم" اصطنعها الغرب على عينه خدمة لمصالح نخبه النافذة، وتكريس تقاسمها للثروات والنفوذ بالدول المختلفة.

وحولت الدورة السنوية 64 لمؤتمر بيلدربيرغ مدينة دريسدن شرقي ألمانيا لمنطقة مغلقة، وفرض أربعمئة شرطي ألماني حصارا مطبقا حال دون اقتراب الصحفيين أو غير المدعوين للمؤتمر من مكان انعقاده بفندق "تاشينبيرغ باليه" الفاخر، الذي شهد العام الماضي مؤتمر الدول السبع الصناعية الكبرى.

وبموازاة مداولات هذا المؤتمر النخبوي الدولي، انطلقت بشوارع المدينة 21 مظاهرة لتيارات وأحزاب ألمانية تمثل المتطرفين من أقصى اليمين واليسار، وعبر المشاركون فيها عن رفضهم للمؤتمر واتهموه بأنه يمثل حكومة سرية تصطنع الأزمات وتثير الحروب وتعين الرؤساء والقادة لخدمة الاقتصاد الغربي.

ملك هولندا وليم ألكسندر (وسط) لدى وصوله مكان انعقاد المؤتمر (الأوروبية)

أبواب مغلقة
وانطلق مؤتمر بيلدربيرغ لأول مرة بفندق هولندي يحمل الاسم ذاته عام 1954 كمنتدى نخبوي يهدف لتعزيز العلاقات الأوروبية مع أميركا الشمالية.

وشارك فيه هذا العام 130 من صناع القرار والشخصيات الفائقة النفوذ، في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية من عشرين دولة، جرت أحاديثهم خلف أبواب مغلقة بغياب الإعلام.

وتصدر قائمة المدعوين مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، ووزراء الدفاع والداخلية والمالية الألمان، ورئيس وزراء بلجيكا، ووزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كسينجر، والمدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أي) الجنرال ديفد بتريوس.

كما شارك رئيس الاستخبارات البريطانية السابق دون سواريز، ونائب رئيس وزراء تركيا محمد سيمسك، ورئيس المفوضية الأوروبية السابق خوسيه مانويل باروسو، إضافة لملك هولندا ورئيس وزرائه.

ومثل معظم المشاركين بالمؤتمر دولا أعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وحضر من هؤلاء ديفد ونلسون روكفلر ورؤساء مجموعات النفط والغاز الغربية العملاقة، وشركات سيمنس وإيرباص وتيليكوم ومجموعة شبرينغر الإعلامية العملاقة.

وحضر رئيس بورصة فرانكفورت كارستين كتغير المرشح ليصبح أهم شخصية عالمية في عالم تداول الأسهم وأسواق الأوراق المالية بعد دمج بورصتي فرانكفورت ولندن نهاية العام الجاري.

وذكرت الحكومة الألمانية بردها على سؤال لحزب اليسار المعارض أن المستشارة أنجيلا ميركل ونائبها ووزير خارجيتها تلقوا دعوات للمشاركة لكنهم لم يشاركوا.

رئيس وزراء بلجيكا تشارلز ميشال (يسار باللباس غير الرسمي) لدى وصوله المؤتمر (الأوروبية)

شكوك وسرية
واعتبر حزب اليسار الألماني أن السرية المطلقة بمؤتمر بيلدربيرغ تعزز الشكوك المثارة حوله، ووردت الحكومة الألمانية بعدم وجود مشكلة لديها بشأن نقص الشفافية بالمؤتمر، معتبرة أنه لقاء نخبوي غير رسمي يتيح فرصة مهمة لتبادل الأفكار حول قضايا سياسية واقتصادية ومجتمعية راهنة، حتى وإن لم تصدر عنه توصيات أو نتائج.

ووفقا لما أعلنه مؤتمر بيلدربيرغ على موقعه الرسمي، فقد تصدرت أجندة مناقشاته أزمة اللجوء وأوضاع أوروبا السياسية والاقتصادية ومستقبل وحدتها، والأوضاع في روسيا والشرق الأوسط والصين، وكان لافتا دعوة المؤتمر عمدة العاصمة الهولندية أمستردام أحمد أبو طالب المغربي الأصل وياسمين أخرباش الخبيرة البلجيكية من أصل مغربي في قضايا الهجرة.

وأثار حفاظ المؤتمر لعقود على سريته المطلقة وعدم كشفه عن مضامين مناقشاته أو هويات المتحدثين فيه حفيظة معارضيه، الذين اتهموا منظميه والمشاركين فيه بمعاداة الديمقراطية والتطلع للسيطرة على العالم عبر التأثير على أحداثه والتمهيد لإصدار قرارات مهمة.

ورد رئيس المؤتمر هنري دي كاسترز على هذه الاتهامات بمقابلة صحفية ألمانية، وقال إن بيلدربيرغ ليس برلمانا أو منظمة، وإنما مجموعة نخبوية تلتقي للنقاش خلف أبواب موصدة لتسهيل المناقشة، ويرأس دي كاسترز مجموعة أكسا الفرنسية التي تعتبر أكبر مجموعة تأمين بالعالم وينتمي لأسرة يعد أجدادها من قادة الحروب الصليبية.

واستغرب رئيس بيلدربيرغ التركيز على الطابع السري لهذا المؤتمر "إذا كان العالم يشهد يوميا عشرات آلاف الاجتماعات السرية التي لا تخرج مناقشاتها للعلن".

من جانبه رأى خبير الاتصال الألماني توماس يايكر أن منظمي المؤتمر أظهروا بإصرارهم على رفض إضفاء شفافية على مناقشاته عدم استعدادهم لإزالة ما علق به من شكوك تتعلق بكونه حكومة سرية للعالم.

المصدر : الجزيرة