تحتضن باماكو زائرها بسرعة، لكنها لا تبوح له بأسرارها بسهولة، فلا يستطيع اكتشاف كل خصائصها دفعة واحدة، فهي تفضل أن تحتفظ بما يمكنها من خصوصياتها، وتترك لزائرها اختيار النافذة التي يراها منها.

أحمد الأمين-باماكو

حين تحلق بك الطائرة فوق العاصمة المالية باماكو لا يمكنك أخذ صورة عنها تقدمها لقارئك، أو تحتفظ بها في دفتر رحلاتك، فالمدينة بلا ملامح، هي تماما كما يعنيه اسمها بلغة البامبرا (أكبر إثنية في مالي) "ظهر التمساح".

من الأعلى تبدو لك باماكو أشبه ببقع طحلب متناثرة على صفحة الماء، تتنقل عيناك بين مروج خضراء، ومرتفعات تغطيها النباتات، يكاد بعضها يلامس أجنحة الطائرة وهي تقترب من المطار.

على الأرض لا تمنحك باماكو الفرصة لتتأمل ما حولك، فلا تكاد تعبر بوابة المدينة الجنوبية في حي "سالا بوبو" حتى تحيطك الأحياء، فيلفت انتباهك تجاور البيوت المتواضعة والفلل الفاخرة، ربما لتشعرك باماكو منذ البداية بأن الفقر والغنى يتساكنان هنا أبدا.

وحين تعتلي جسر الشهداء -أقدم جسور المدينة- لتعبر نهر النيجر في اتجاه الجزء الشمالي من المدينة تفاجئك إطلالة قصر "كلوبا" الرئاسي على المدينة من الشمال، في مشهد يحيلك إلى مكانة القائد في الثقافة الشعبية، وربما يذكرك بطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم في هذه المنطقة من العالم.

البوابة الجنوبية لمدينة باماكو (الجزيرة)

احتضان الزوار
تحتضن باماكو زائرها بسرعة، لكنها لا تبوح له بأسرارها بسهولة، فلا يستطيع اكتشاف كل خصائصها دفعة واحدة، فهي تفضل أن تحتفظ بما يمكنها من خصوصياتها، وتترك لزائرها اختيار النافذة التي يراها منها.

تأخذك بحيائها وانفتاحها المتلازمين بساطة أهلها وغموضهم، انفتاحهم وتحفظهم، في ثنائية ربما تعود جذورها إلى معتقدات قديمة؛ فـ"التومو" الذي يشكل أحد المقدسات لدى بامبرا يجسده قناع على شكل رأس ظبي بعينين واسعتين، وفتحة فم ضيقة، في إشارة إلى التحفظ في الكلام، والتمعن بعمق في ما حولك، تجنبا لأي مطبات أو عوائق.

شوارعها معرض مفتوح، تعكس محتوياته من المنحوتات والملابس والمصوغات حضارة الماليين وثقافاتهم، ويجد فيه الزائر مبتغاه، من ثمرة "المانجو" إلى آخر ما أبدعه العقل الياباني من أجهزة إلكترونية.

تتنوع المشاهد والزوايا الملفتة في باماكو، لكن ربما أكثر ما يشد انتباهك أينما توجهت موجات الدراجات النارية الصغيرة المنصبة في شوارع المدينة كعرق الماليين في رحلة كدهم السرمدية.

وتبدو علاقة الماليين بالدراجة "دياكرتا" -كما يسمونها نسبة إلى موطنها الأصلي إندونيسيا- وثيقة ومتأصلة، فهي رفيقهم المؤتمن، تحملهم وأثقالهم، وربما أثقالا مع أثقالهم.

ماليون متوجهون إلى أعمالهم في مدينة باماكو (الجزيرة)

الهروب من الزحمة
وجد الماليون في "دياكرتا" وسيلة نقل رحيمة بالجيب، قادرة على التسلل بسلاسة وسط الزحام، لذلك أحبوها وتوطدت علاقتهم بها، وباتت علاقة سكان جنوب البلاد بها شبيهة بعلاقة أهل الشمال بالجمل.

باماكو (ظهر التمساح) نشأت في القرن 17 الميلادي من اندماج أربع قرى متجاورة، قبل أن تخضع للاستعمار أواخر القرن 19، لتصبح مركزا إداريا يتبع قيادة المستعمرات الفرنسية لغرب أفريقيا في داكار.

نشأت المدينة في البداية على الضفة الشمالية لنهر النيجر، لكن النمو الديموغرافي فرض التوسع العمراني فتمددت إلى الضفة الجنوبية، واحتفظ الشمال بالأسواق التجارية القديمة، والطابع الأفريقي للعمارة، واحتضن الجنوب أغلب الدوائر الحكومية، والأحياء الحديثة نشأة ومعمارا، لكن ذلك لا يعني تمايزا بين الفقر والغنى فيها، فهما يتعايشان بسلام في مختلف مناطق باماكو.

يشطرها نهر النيجر، فتصلها ثلاثة جسور: هي جسر الشهداء المشيد في العهد الاستعماري، وجسر الملك فهد الذي يشكل إنجازا سعوديا لا يخفي الماليون اعتزازهم به، وجسر الصداقة الذي بنته الصين في السنوات الأخيرة.

باماكو اليوم تشكل الواجهة الخارجية للبلاد ومركزها التجاري، وتحتفظ ذاكرتها بالكثير من الحكايات، وتحتضن في قلبها إثنيات وقوميات تمثل "مالي الجنوبي"، وتحاول أن تتقرب إلى "مالي الشمالي".

المصدر : الجزيرة