عبد الله حامد-القاهرة

وقف الشيخ "ع" بين صلاة القيام في أحد أكبر مساجد منطقة الهرم بالجيزة، وتملى في وجوه المصلين بارتياح محاولا كتمان شماتته في بعض وجوه المخبرين التي يعرفها جيدا، ثم خطب قائلا: "كانت أجهزة النظام تعدّ علينا أنفاسنا، لا أعادهم الله".

كان ذلك في أول رمضان عقب ثورة يناير 2011، والآن مُنع الشيخ "ع" من الخطابة أصلا، بعد أن "كان مسموحاً لنا بالخطابة المحدودة في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، ثم بحرية الخطابة المطلقة في عهد الرئيس محمد مرسي".

"جاء الانقلاب ليمنعنا من اعتلاء المنبر تماماً"، كما يقول الشيخ الأزهري الذي فضل عدم ذكر اسمه، "فوفق تعليمات وزارة الأوقاف الأخيرة، لا يخطب بالمساجد إلا من يحمل خطابا رسميا موجها لإدارة المسجد، حتى لو كان مصرحا له بالخطابة".

وتابع "ربما يعتقد القائمون على الأمر أن من شأن ذلك التشديد على المساجد، القضاء على الإرهاب، والعكس هو الصحيح، وهو ما تؤيده الوقائع".

كما شمل المنع العديد من مشاهير الأئمة كالشيخ محمد جبريل من الإمامة بعد دعائه على الظالمين في رمضان الماضي.

قصر صلاة التهجد على عدد محدود من المساجد دفع المصلين إلى الصلاة في الشوارع (الجزيرة)

ضوابط
رئيس القطاع الديني بالأوقاف جابر طايع قال في تصريحات صحفية إنه "يتم تكثيف الحملات التفتيشية على المساجد لضرورة الالتزام بموضوع الخطبة الموحد، وعدم فتح المساجد إلا في أوقات مسموح بها، وغلقها عقب صلاة التراويح، واقتصار إقامة صلاة التهجد على نحو ألف مسجد مصرح لها كتابة بالاعتكاف وفي العشر الأواخر فقط، وألا يتجاوز درس القيام سبع دقائق، مهددا من لا يلتزم بالمأثور في الدعاء"، وبرر ذلك بأنه "للحفاظ على أمن المصلين، وقدسية المساجد".

هذه "تعليمات ظالمة" بوصف الشيخ أبو يحيى -وهو اسم مستعار يفضله حذرا محدثنا الداعية المعروف نسبيا بين جمهور بعشرات الآلاف- وتساءل "ألف مسجد لتسعين مليونا معناه أن لكل تسعين ألفا مسجدا واحدا، وكيف يدخل مواطن بيت الله ليعبده فنهدده؟".

وتابع "كيف يتم منعي من أن أعتكف مع شيخ عالم أفضله ليقربني من الله لمجرد أنني لست من منطقة مسجده؟"، مؤكداً "أن منع الأوقاف للدعاء على الظالمين في القيام، لن يمنعه في السجود".

المساجد شهدت اعتداءات عدة منذ الانقلاب (الجزيرة)

تحرير الأوقاف
هذا التضييق على حرية العبادة ليس له من حل إلا "تحرير وزارة الأوقاف من سيطرة الحكومة لكي تنهض بدورها الحقيقي"، كما يرى الأستاذ المشارك بكلية الشريعة والقانون بماليزيا رجب محمد سليمان، مطالبا بأن يعود الوقف إلى الذين أوقف من أجلهم، وأن يقتصر دور الدولة على مراقبة معايير الكفاءة والقدرة، ولا تتدخل الحكومة في شؤون الأوقاف إلا بمقدار حفظها وتطويرها.

ويؤكد أنه في الوقت الذي تظل فيه الأسواق مفتوحة، يراد للمساجد أن تفتح لوقت محدود، مع وضع المعوقات أمام المعتكفين واقتحام المساجد عليهم وتفزيعهم بحجة المحافظة على الأمن، وهو ما لم يحدث حتى في عهد الاحتلال.

من جانبه يقارن الشيخ سلامة عبد القوي -وهو مستشار وزير الأوقاف في حكومة ما قبل الانقلاب- بين ما يجري الآن تجاه المساجد من "تضييقات لا ترضي الله"، وما كان مخططا لتطبيقه في رمضان الأخير للرئيس المعزول محمد مرسي لولا انقلاب 2013، ويتضمن فتح المساجد طوال اليوم، وعقد حلقات تلاوة، وإقامة الدروس اليومية، وترك اختيار موضوعه لرغبة الإمام، وكذا خطب الجمعة، وفتح الباب أما الراغبين في الاعتكاف بأي مسجد.

وأضاف "سعينا لتعيين ثلاثة آلاف إمام جديد لأول مرة في مصر دون مراجعة الأمن الوطني، وعمل التصميم الفني للوحة إلكترونية علمية لتوضع في المساجد كلها يتم التحكم فيها من داخل ديوان الوزارة للتوعية والدعوة"، مؤكداً أن كل ذلك كان من أجل "إطلاق حرية العبادة، التي نجح الانقلاب في حرمان المسلمين منها هذه الأيام".

المصدر : الجزيرة