حاوره: تامر الصمادي

يرى الباحث الأردني في شؤون الجماعات الإسلامية محمد أبو رمان أن خسارة تنظيم الدولة قرابة 40% من الأراضي التي يسيطر عليها، لم تؤثر على نفوذه وقوته.

ويؤكد في حوار مع الجزيرة نت أن هناك مشروعا بدأ ينمو لتكون ليبيا مركزا للتنظيم على مستوى أفريقيا.

ويستبعد الباحث أبور رمان أن يؤثر الدور الغربي في ليبيا على تمدد التنظيم، قائلا إن هذا الدور كان يعزز أجندة القاعدة في أفغانستان وباكستان.

وفيما يأتي نص الحوار معه:

كيف ترى تنظيم الدولة بعد مرور عامين على ولادته؟

بعد عامين على بروز تنظيم الدولة وإعلان ما يسمى الخلافة على يد البغدادي، فإننا نحتاج العبور من السطح إلى العمق لتحليل المشهد بشكل دقيق.

كثير من التحليلات السياسية والعسكرية والإستراتيجية تنظر إلى التقييم من خلال ما كسبه التنظيم وما خسره من أراض. ورغم أن التنظيم خسر قرابة 40% من الأراضي التي سيطر عليها، فإن الحديث عن تراجعه يستند إلى مقاييس سطحية غير دقيقة.

لا بد أن ننظر إلى الموضوع من زاوية إعادة قراءة الأسباب والشروط التي أدت إلى صعود التنظيم. علينا الإدراك جيدا أننا لا نتعامل مع تنظيم موجود في العراق وسوريا فقط، إننا نتعامل اليوم مع تنظيم ثلاثي الأبعاد.

البعد الأول: وجوده في العراق وسوريا، والبعد الثاني: "الولايات" أو الجماعات التي أعلنت مبايعتها التنظيم و"الولايات" التي أنشأها التنظيم نفسه والخلايا التابعة له، أما البعد الثالث -وهو الأكثر خطورة- فيتمثل في البعد الأيديولوجي للتنظيم.

إذا أخذنا الأبعاد الثلاثة بعين الاعتبار، فإننا أمام تنظيم ينتشر ولا يتقلص ويصعد ولا يتراجع.

التنظيم يتنشر أفقيا عموديا، واستنادا إلى البعد الأيديولوجي نجد أفراده ينفذون عمليات في فرنسا والأردن وإندونيسيا وغيرها من الدول.

والتنظيم قد ضرب ثلاث قارات أو أربعة في أوقات قريبة.

والمؤكد أنه رغم تراجعه في العراق وسوريا على الصعيد العسكري المباشر وعلى الصعيد الجغرافي، فإنه آخذ في الانتشار والتمدد.

تنظيم الدولة ما زال يسيطر على مساحات ومدن مهمة في العراق (الجزيرة)

لكن كيف تقيم وضعه في العراق؟

يجب أن لا نفصل العراق عن سوريا عند الحديث عن التنظيم، فهناك قاسم مشترك بين البلدين، وهذا القاسم نستطيع أن نسميه "الأزمة السنية".

والخطأ الفادح الذي يتم ارتكابه اليوم، هو التركيز على الجانب العسكري المحض في مواجهة التنظيم، وتجاهل الأبعاد السياسية، واعتبارها أبعادا ثانوية.

ففي ظل تعقيدات الوضع السياسي في العراق وسوريا، ما يزال الحديث عن تصفية التنظيم في الموصل والرقة أمرا صعب المنال.

التنظيم يستند في هذه المناطق إلى مئات آلاف المواطنين، وعشرات آلاف المقاتلين الذين يقاتلون حتى الموت.

التنظيم لا يزال يتغذى على الخلافات الطائفية، وهنالك قلق سني من وجود أجندة طائفية لتصفيتهم.

ولو فرضنا جدلا أن العالم استطاع القضاء على التنظيم في الرقة والموصل وأنهى وجوده كدولة، فإننا سنكون في مواجهة سؤال اليوم التالي: ما مصير عشرات الآلاف من أنصاره ومؤيديه وأعضائه الموجودين على الأرض، فضلا عن عائلاتهم التي استوطنت ورأت في التنظيم دولتها الموعودة؟

من الصعوبة أن نتخيل قتل كل هؤلاء. سنكون أمام سيناريو الانتقال من الأماكن المستهدفة والانتشار في أماكن أخرى.

التنظيم نجح بالفعل في غسل أدمغة آلاف الأطفال والمراهقين الذين سيقاتلون معه في الصفوف الأولى عندما توجه له الضربة القاضية.

ولو سلمنا بفكرة القضاء على التنظيم، فالمؤكد أنه ستولد حالة أخرى شبيهة وربما أكثر عنفا.

لكن كيف ترى مستقبل التنظيم في سيناء المصرية ونيجيريا مثلا؟

الجماعات المسلحة في سيناء ونيجيريا كانت قائمة في الأساس، وأعلنت لاحقا ولاءها لتنظيم الدولة.

صحيح أنها قدمت نفسها على أنها جزء من تنظيم الدولة وتنتمي إلى الأسرة الأيدولوجية نفسها، لكنها في النهاية تبقى ابنة الظروف المجتمعية المحلية التي ولدت فيها.

لو نظرنا إلى أنصار بيت المقدس في سيناء، فإنها تمثل أزمة المنطقة التي ولدت فيها مع الدولة المصرية. أزمة تجسد تهميش الأطراف مقابل المركز، وهي في الأصل تعبر عن سوء إدارة الأزمة السياسية في البلاد، وضعف التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

كل ما سبق أدى إلى ولادة حالة في سيناء نجم عنها بروز تيار السلفية الجهادية الذي استفاد من أزمة الدولة المصرية، ونسج علاقة مع شبكة العشائر والقبائل، وحتى مع المجموعات الخارجة عن القانون.

استوطن التنظيم في سيناء بشكل أكبر نتيجة الانقلاب العسكري الذي حصل في مصر، واستطاع أن ينقل النموذج إلى المحافظات لاستثماره في الأزمة السياسية، فصار تعميم النموذج الراديكالي سمة واضحة.

تنظيم الدولة يخوض حاليا حرب بقاء في ليبيا (الجزيرة-أرشيف)
وما تقديراتكم عن تنظيم الدولة في ليبيا؟
ما من شك أن التنظيم استثمر في الأزمة الداخلية وحالة الفوضى في ليبيا. ورغم محاولة المجتمع الدولي فرض ما يسمى حكومة الوفاق، فإن الخلافات ما تزال قوية، والمصالح الداخلية متضاربة، وكل ذلك يصب في مصلحة تنظيم الدولة.

صحيح أنه لا يوجد في ليبيا أزمة طائفية مقارنة بالعراق وسوريا، لكن يوجد تهميش اقتصادي واجتماعي، وتوجد حالة فوضى وانعدام لدولة المؤسسات، وتوجد أيضا بذور أساسية لنمو التنظيم، ومجموعة من الجهاديين السابقين والجدد، وكل هذه عوامل أسهمت وستساهم في تشكل حالة موالية لتنظيم الدولة.

والمؤكد أن التنظيم استطاع التغلب على السلفية الجهادية في ليبيا، وحتى على القاعدة نفسها.

القيادات القديمة من القاعدة غادرت ليبيا، لأن تنظيم الدولة أضحى صاحب الصوت الأقوى. والأخطر من ذلك أن التنظيم بات يتمدد باتجاه آبار النفط للسيطرة عليها، وهنالك مشروع بدأ ينمو لتكون ليبيا هي مركز التنظيم في أفريقيا.

علينا الإمعان جيدا في شريط الفيديو الأخير الذي حمل عنوان من الذل إلى العزة، والذي صدر عما يسمى بولاية سرت.

الشريط المذكور يؤكد أن التنظيم بدأ يستقطب عددا كبيرا من الأفارقة ولا سيما من نيجيريا وتشاد ومالي، وإذا استمر هذا التمدد وتمت السيطرة على آبار النفط بالفعل، فإن ليبيا ستكون مشكلة كبيرة في المرحلة القادمة.

الدور الغربي في ليبيا لا يؤثر كثيرا على تمدد التنظيم، فالدور المذكور في أفغانستان وباكستان مثلا كان يعزز دائما من أجندة القاعدة ومن ثم تنظيم الدولة.

الدور الغربي دائما يعطي المشروعية لتنظيم الدولة في أعين أتباعه وأنصاره، فهو يركز على الجانب العسكري والعملياتي، ويقوم على قطف رؤوس القيادات.

لكن الغرب وأميركا تحديدا لم يتعلما الدرس جيدا، فالتجربة أثبتت أن تنظيم الدولة قادرة على إعادة إنتاج القيادات بسرعة شديدة، والقيادات اللاحقة دائما تكون أكثر خطورة من القيادات السابقة.

تنظيم الدولة سجل حضورا ملحوظا في جنوب اليمن (الجزيرة)

ماذا عن حضور التنظيم في دول الخليج؟

تنظيم الدولة ليس كالقاعدة. القاعدة شُكلت عبر مزيج من أفكار إخوانية قطبية وأفكار جهادية مصرية وأخرى سلفية تقليدية، ثم تحولت إلى جهادية. القاعدة ليست وليدة الأيدولوجية أو الموروث الفكري السلفي، أما تنظيم الدولة فهو أقرب إلى الموروث الفكري السلفي الصافي.

الأب الروحي لتنظيم الدولة هو أبو مصعب الزرقاوي، وهذا الأخير تأثر فكريا بأبي محمد المقدسي الذي تأثر بميراث علماء نجد في السعودية.

لذلك نرى التنظيم اليوم يزاحم السعودية -التي تمثل حاضنة الفكر السلفي- على تمثيل أهل السنة، وخطابات البغدادي مثلا تركز دائما على السعودية.

التنظيم يريد أن يقول للسعودية: نحن الذين نمثل الفكر السلفي، ونحن المدافع الحقيقي عن أهل السنة في العراق وسوريا وباقي الدول.

ما يريده التنظيم يضرب عميقا في شرعية الممثل السلفي داخل العالم العربي وحتى البنية المجتمعية السعودية التي تتسم بانتشار الدعوة السلفية.

التنظيم يلعب على وتر أنه ممثل العقيدة الوهابية وتراث علماء نجد، لذلك تراه يشتبك مع السعودية على أكثر من صعيد؛ يشتبك معها أيديولوجيا وسياسيا واجتماعيا.

في ظل تنامي ما يسمى المظلومية السنية في العراق وسوريا، يكتسب خطاب التنظيم قوة كبيرة في التأثير على أوساط الشباب السعودي. وما من شك أن التنظيم سيحاول القيام بعمليات داخل السعودية والخليج.

وماذا عن تنظيم الدولة في اليمن؟

تنظيم الدولة ظل يعمل في السر باليمن بسبب نفوذ القاعدة ووجود ناصر الوحيشي وقيادات قاعدية قوية.

غير أن الأزمة اليمنية وصعود الحوثيين والسيطرة على صنعاء وفشل العملية السياسية في اليمن، دفع مجموعة من أبناء تنظيم القاعدة ومن الشباب الجدد إلى تأسيس خلايا قوية تتبع تنظيم الدولة في أكثر من مكان.

صحيح أن التنظيم لا يزال في مرحلة البدايات، ولم يصل بعد لنقطة التحول التي يصبح فيها الأقوى على حساب القاعدة، لكن المؤكد أن قوته ونفوذه سيتعاظمان خلال الفترة المقبلة.

المصدر : الجزيرة