لم يَفُت لطيفة قاسم عابدي أثناء زيارتها لحيفا عام 1972 تَفَقُد ما تبقى من المدينة كما كانت تَعرِفُها، ومنها سوق الشوام، كذلك بيتها في شارع الناصرة والذي غادرته آخر مرة في أبريل/نيسان 1948، فوجدت داخله أسرَةً يهودية جاءت من بولندا.

علي بدوان

في الثاني والعشرين من أبريل/نيسان 1948، سَقَطَت مدينة حيفا بيد مجموعات الهاغاناه والبالماخ بعد العملية العسكرية التي أُطلِقَ عليها مُسمى (المقص) فَتم تهجير مُعظَمِ سُكانها.
 
خَرَجَ سكان حيفا ومواطنوها، من الميناء على متن القوارب والسفن المُتهالكة الأركان، باتجاه صيدا وصور وبيروت، وخَرَجَ آخرون برا، نحو القدس وطولكرم ونابلس وبعض قرى الضفة الغربية، بينما غادر آخرون نحو سوريا والأردن.

كانت عائلة سعيد عبد الرحمن بدوان -المشرف في سكة حديد حيفا- وزوجته لطيفة قاسم عابدي وأسرتهما الصغيرة المكوّنة من الأبناء الثلاثة: رحاب المولودة في حيفا عام 1944، وعبد الرحمن المولود في حيفا عام 1946، والرضيع محمد المولود في حيفا في فبراير/شباط 1948، واحدة من تلك العائلات الفلسطينية التي خَرَجَت برا من حيفا بعد أن غادرت منزلها في شارع الناصرة، وعلى مقربة من (وادي النسناس) حيث ما تزال إلى الآن تُقيم أسرة لطيفة عابدي (عائلات عابدي والحاج وخمره ومراد وبدوان وأنسباؤهم وأقاربهم) بعد أن لجأ بعضهم إلى لبنان، لكنهم استطاعوا التسلل والعودة إلى حيفا عام 1950.

 قاسم عابدي والد لطيفة ووالدتها خيرية الحاج في صورة بحيفا أرسلت عام 1963 عن طريق أقارب بالضفة الغربية (الجزيرة)

في ذلك اليوم الربيعي 22 أبريل/نيسان 1948، غادرت تلك العائلة الفلسطينية مدينة حيفا. فاختفت المدينة وأحياء وادي النسناس ووادي الصليب وشارع الناصرة وساحة الجرينة وساحة الخمرة وجبل الكرمل، والبحر وراء الشجيرات المُنتشرة عشوائيا في تلك التلال.

كانت تلك الأسرة تَعتَقِد -وكذلك مُعظم اللاجئين الفلسطينيين- بأن رحلة اللجوء القسرية ستدوم لأسابيع قليلة فقط، بعد أن حَطَت الأقدار بتلك العائلة على أرض دمشق في مأوى للاجئين الفلسطينيين في جامع الصابونية في حي الشاغور، ومعها عدة عشرات من عائلات مدينة حيفا، في إقامة امتدت لنحو خمس سنواتٍ.

وتم لاحقا نقل تلك العائلات إلى الأرض التي أمنتها وكالة (أونروا) للاجئي فلسطين، وبات تعرف بـمخيم اليرموك.

لم تَستَطِع تلك العائلة الفلسطينية اللاجئة التواصل مع غالبية أعضاء الأسرة الذين بقوا في مدينة حيفا، فبقيت الصور التي جلبتها الأسرة لها ولأحبابها من حيفا والملتقطة قبل النكبة في ستوديو (كاتس) الشهير في حيفا، تعوّضُ جزءا من الشوق والحنين. وبقيت صلة الوصل تتم عبر أقارب في الضفة الغربية كانوا يستطيعون التسلل وإيصال الرسائل إلى حيفا.

كانت برنامج صوت فلسطين في إذاعة دمشق، صلة الاتصال بين اللاجئين الفلسطينيين في سوريا وأقاربهم ممن تبقوا في فلسطين التي أصبح اسمها بعد ذلك "إسرائيل" قبل أن تتطور وسائل التواصل والاتصال. وفي عام 1956 سمع لأول مرة صوت اللاجئة الفلسطينية لطيفة قاسم عابدي ثم صوت زوجها من إذاعة دمشق عام 1956.

سعيد بدوان في ساحة الجرينة بحيفا أول أيام العيد عام 1946 مع ابنته رحاب (الجزيرة)

أهدت سلامها لذويها في حيفا فردا فردا، وأنهت رسالتها الصوتية الأولى لهم بعبارة "وإننا لعائدون". كذلك فعل زوجها وأبناؤها الذين ولدوا قبل النكبة وبعد النكبة.
بعد ذلك وبسنوات طويلة، كانت لطيفة قاسم عابدي، ومعها البعض من أبنائها وعائلتها التي اتسعت لتصبح (13) فردا، في أول زيارة لمدينتها حيفا عام 1972 بموجب تصريح زيارة عبر الضفة الغربية.

كان لقاء أسرتها ووالدها ووالدتها وأشقائها وشقيقاتها وعموم أقاربها ومن تبقى منهم، بعد أكثر من 24 عاما من الخروج القسري لتلك العائلة من مدينة حيفا. استقبلها والدها بعينيين دامعتين، هاتان العينان اللتان رأتا المأساة والمؤامرة وجموع الناس تخرج من ميناء حيفا.

عام 1972 كان اللقاء الأول بعد النكبة مع الأشقاء الذين تركتهم أطفالا وفتيانا، وأبناء الأشقاء والشقيقات، وقد باتوا شبانا، ورجالا، ومنهم الفنان التشكيلي الأول في "إسرائيل" عبد عابدي والدكتور ماجد خمرة والدكتور سمير مراد، وعضو مجلس بلدية حيفا حاليا الناشطة عرين عابدي والناشط حسام عابدي وغيرهم.

 قاسم عابدي في سوق الشوام بحيفا عام 1932 (الجزيرة)

لم يَفُت لطيفة قاسم عابدي أثناء زيارتها لمدينتها من تَفَقُد حواضر ما تبقى من المدينة كما كانت تَعرِفُها، ومنها سوق الشوام، كذلك بيتها في شارع الناصرة، والذي غادرته آخر مرة في أبريل/نيسان 1948، فوجدت داخله أسرَةً يهودية جاءت من بولندا، فسألت تلك الأسرة التي استوطنت منزلها عنوة واغتصابا عن الأغراض التي تركتها.. عن (جُرن الكُبة الحجري) الذي تركته، وعن خوابي المؤونة.. وودّعت بيتها لتقول لتلك الأسرة التي اغتصبت الدار: هذه دارنا.. عمرناها تعريفة تعريفة (أي قرش بقرش).

بالمختصر، هي قصة قصيرة جدا لعائلة فلسطينية لاجئة مَزّقتها النكبة، ووقعت في محنةٍ جديدة بعد نكبتها الثانية في مخيم اليرموك ودمار منزلها.

المصدر : الجزيرة