رغم نبذه خطاب الحركات الراديكالية والتفاف معظم المكونات السياسية حوله، فإن "ميثاق الحراطين" بموريتانيا ما يزال محدود التأثير في الشارع وفي دوائر صنع القرار، وفق مراقبين وناشطين طالبوا بإنصاف الأرقاء السابقين وتمييزهم إيجابيا في التوظيف والتعليم.

أحمد الأمين-نواكشوط

نداء من أجل إعادة تأسيس مشروع سياسي وطني جديد قوامه الانعتاق الحقيقي لكافة المهمشين، والقضاء على كل أشكال الظلم والغبن والتهميش التي يتعرض لها كافة المحرومين وعلى رأسهم فئة الحراطين.

هكذا قدم ميثاق الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراطين (الأرقاء السابقون) نفسه في وثيقته المؤسِّسة عام 2013، والتي ضمّنها تشخيصا شاملا لواقع هذه الشريحة في موريتانيا.

ويعتبر الميثاق أن هذه الشريحة لا تزال الأكثر تهميشا، بفعل ظلم متوارث عن عادات وتقاليد تكرس التفاوت الاجتماعي والطبقي على أساس الولادة والأصل.

ويضم ميثاق الحراطين بموريتانيا مجموعة من القوى والحركات والشخصيات الحقوقية والناشطين في مجال مكافحة العبودية.

ويقدم هذا الميثاق جملة من المقترحات لحل مشكل الرق وتجاوز آثاره، تقوم على محاور تدمج الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ويتبنى خطابا أكثر تصالحا مع مكونات المجتمع الموريتاني الأخرى.

تنوع مكونات الميثاق "وهدوء خطابه وشمولية رؤيته" شكل أملا كبيرا في الساحة الموريتانية ببروز تيار يمكن أن يشكل بديلا عن حركات وصفت بالتطرف مثل "مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية" (إيرا)، وضمانا ضد بروز أي تنظيمات راديكالية أخرى.

لكن الكثير من المراقبين يرون أن حضوره الميثاق في الساحة لا يزال دون الآمال التي علقت عليه، رغم مرور أزيد من ثلاث سنوات على تأسيسه.

المامي: نجاح الميثاق في الحشد مرده
رغبة الموريتانيين في خطاب هادئ (الجزيرة)

تصورات موضوعية
ويقول الناشط الحقوقي أبو بكر المامي إن الميثاق لم يستطع مخاطبة مشاعر عامة الشريحة التي يقدم نفسه مدافعا عنها.

ويضيف المامي للجزيرة نت أن الميثاق لكي يكون بديلا مقنعا أو شريكا قويا في الساحة، لا بد أن يتجاوز واقعه الحالي من خلال "الوجود الدائم في الشارع مع الحراطين والوقوف معهم في ما يتعرضون له يوميا من ظلم".

ويرى أن نجاح الميثاق في الحشد لمسيراته السنوية راجع إلى رغبة طيف واسع من الموريتانيين في خطاب أكثر هدوءا يكون بديلا "عن الخطاب الذي تتبناه حركة إيرا ذات الوجود القوي في الشارع والتي تلامس نفسيات قاعدة عريضة من الحراطين".

لكن الناشط الحقوقي والقيادي في الميثاق إسلمو ولد مبارك يقول إن "الميثاق لم يطرح نفسه بديلا عن تيار أو حركة، فهو شخّص الواقع بموضوعية وقدم تصورا لتجاوزه والقضاء على معاناة شريحة الحراطين التي تعيش تهميشا وإقصاء في شتى المجالات".

ويضيف ولد مبارك في حديث للجزيرة نت أن "الميثاق دعوة للشعب الموريتاني بكل مكوناته وشرائحه للالتفاف حول تصورات موضوعية لمعالجة واقع يهدد الجميع، والتفاف الموريتانيين حول مقترحات الوثيقة وتبنيها كفيل بنزع أي مخاوف من الطرح الراديكالي والعداوة أو الخصومة مع الشرائح الأخرى".

ولد مبارك: الميثاق طالب بالتمييز الإيجابي للحراطين في الوظائف والتعليم (الجزيرة)

التمييز الإيجابي
وينفي ولد مبارك أي اتهام للميثاق بالسعي للمحاصة "فالرؤية التي طرحها تستجيب لمتطلبات إنصاف شريحة الحراطين من خلال اعتماد مقاربة التمييز الإيجابي لصالح الأرقاء السابقين في مجالات التعليم، والولوج إلى الوظيفة العمومية وتولي المناصب العليا في الدولة، والاستفادة من التمويلات الصغرى، لأن معاناة هؤلاء اليوم ترجع في كثير منها إلى تفشي الأمية والفقر والغبن في التوظيف".

ورغم موقف أبو بكر المامي المتحفظ تجاه الميثاق فإنه يعترف بنجاحه في بعث رسائل طمأنة إلى الشارع الموريتاني بأن حل مشكل الحراطين لا يضر بالشرائح الأخرى، لكن يضيف أن "البحث عن خطاب يرضي بقية المكونات يجب ألا يكون على حساب الحراطين".

وما يزال الرق وآثاره موضوع جدل في موريتانيا، حيث ترى المنظمات الحقوقية أن الأرقاء السابقين يعانون أنواع التهميش والإقصاء، ويمثلون أكثر الشرائح تأثرا بالفقر والأمية، بينما تقول الحكومة إنها نفذت برامج تنموية لصالح هؤلاء وتعمل للقضاء على آثار العبودية.

وقد نشطت عدة حركات وتنظيمات في موريتانيا لمحاربة ظاهرة الرق، من أبرزها تاريخيا حركة الحر، ومنظمة نجدة العبيد، إضافة إلى حركة "إيرا" التي دخلت على الخط ونشطت في السنوات الأخيرة، وتميزت بخطابها الراديكالي في هذا المجال.

المصدر : الجزيرة