العياشي جابو-لندن

منذ الهجمات التي تعرضت لها العاصمة البريطانية لندن عام 2005 على أيدي مواطنين بريطانيين من أصول آسيوية، تخطط الدولة لإيجاد وسيلة ناجعة لمواجهة "الفكر المتطرف" في أوساط الجاليات المسلمة، وعلاقات بعض أفرادها بما تسميه بشبكة التطرف العالمية.

ولا يكاد يوجد فرق بين الحكومات المتعاقبة من حيث التوافق على إيجاد وسيلة لاجتثاث "الفكر المتشدد"، ولو تطلب الأمر -في حالات معينة- استخدام أساليب قد لا تنطبق عليها المعايير الأخلاقية.

والسبب في ذلك -كما يراه بعض المراقبين- هو أن القرار الأمني الإستراتيجي تتخذه المؤسسات البريطانية المعنية بالأمن، وهي المؤسسات التي تضغط بالتعاون مع أعضاء الحكومة وتنظيمات أخرى من أجل الوصول إلى الهدف الذي تنشده، وهو القضاء على أي أفكار ترى فيها تهديدا لأمنها أو نمط حياة مجتمعها.

حملات دعاية
ومن هذا المنطلق، خاضت الحكومة البريطانية سلسلة من الحملات الدعائية السرية من أجل إحداث تغيير في سلوكيات الشباب البريطاني المسلم وأفكاره، ضمن برنامج التصدي للتطرف.

ونتيجة للقلق الذي انتاب مؤسسات الدولة المعنية بالأمن من دعاية تنظيم الدولة الإسلامية المقنّع بأشكال مختلفة في الإنترنت، طورت وحدةٌ في الداخلية البريطانية عمليةً سرية تقدر تكلفتها بملايين الجنيهات تعمل على نطاق واسع.

وحدة البحث والمعلومات والاتصال -التي تخفي عادة صلتها بالحكومة- قامت بعدد من المبادرات، من بينها الإعلان عن حملة لتقديم النصائح لجمع التبرعات للاجئين السوريين، حيث تمكنت من فتح محادثات ومناقشات مباشرة مع آلاف الطلبة البريطانيين دون أن يعلم الطلبة أن البرنامج تشرف عليه الحكومة.

وقامت الحملة -التي أطلق عليها اسم "المساعدات من أجل سوريا"- بتوزيع ما لا يقل عن 750 ألف منشور، دون أن يعلم المتلقين أنها منشورات تحمل مضامين حكومية.

وتقول فرانسيس ويبر من معهد "العلاقات بين الأعراق" إن حملة جمع التبرعات للاجئين السوريين كان الغرض الحقيقي من ورائها التأثير على عقول الشباب المسلم، وثنيهم عن محاولات السفر إلى سوريا.

المؤسسات الأمنية البريطانية تسعى للقضاء على أي أفكار تهدد أمنها أو نمط حياة مجتمعها (الجزيرة)

شبكة إعلامية
ويتم تسليم الكثير من رسائل وحدة البحث والمعلومات الحكومية ومضامينها لشبكة إعلامية مستقلة، تقوم بدورها بإنتاج عشرات المواقع الإلكترونية والمنشورات والفيديوهات والمواد الإذاعية، التي يتم بثها أو نشرها وتبرز في عناوين مثل: حقيقة تنظيم الدولة، أو تقديم المساعدات لسوريا، وغيرها.

وبينما تقول بعض الجاليات إن علاقتها مع وحدة البحث والاتصال الحكومية جيدة، لأنها ساعدتها في بث رسالتها إلى شرائح عريضة من الناس لمواجهة التطرف، وأنها احتفظت بالتحكم في الخط التحريري لتلك المنشورات، فإن آخرين يرون أن الكلمة الأخيرة في مضمون تلك الرسائل تعود إلى وحدة البحث الحكومية.

من جهته، يرى المحامي عن حقوق الإنسان عمران خان، أن الحكومة إذا أرادت أن يصغي إليها مواطنوها المسلمون فعليها أن تكون محل ثقة، "ولكي تكون محل ثقة عليها أن تكون نزيهة، لأن ما يجري ليس أمرا نزيها. وأكثر من ذلك ينبغي أن تتخلى الحكومة عن فكرة أن الشباب المسلمين هم نوع من الطابور الخامس الذي ينبغي مواجهته"، بحسب قوله.

أما بن هايس من مؤسسة "كيج" المدافعة عن الأفراد المتضررين من قوانين الحرب على "الإرهاب"، فيحذر من أنه عندما تبدأ الحكومة استخدام الجماعات المحلية والمنظمات غير الحكومية لنشر دعايتها وإيهام الرأي العام بأن ما تقوله صحيح، فإنها تلحق الضرر بكافة منظمات المجتمع المدني.

وبالرغم من أن الانتقادات أشارت إلى ضرورة بناء الثقة بين الحكومة والجاليات المسلمة، والتقيد بأساليب صريحة من أجل العمل معا لدرء أخطار التطرف؛ فإن بعض المراقبين يرون أن الحفاظ على المصالح الأمنية قد يقتضي اللجوء إلى أسلوب السرية، شريطة أن لا يمس بالحريات العامة لأفراد تلك الجاليات أو يضر بمصالحها أو قيمها.

المصدر : الجزيرة