مدينة حماة الهادئة والخاضعة لسيطرة النظام لم يسمع فيها ما يعكر صفو دمشق منذ قمع مظاهراتها منتصف العام 2011.. القلق الوحيد الذي ضرب رأس النظام منذ أيام فيها هو حالة الاستعصاء التي ما تزال فصولها قائمة في سجن المدينة المركزي.

محمد كناص-غازي عنتاب

على مساحة كيلومتر مربع تقريبا في غرب مدينة حماة يقع سجنها المركزي، يطل من جهة الشمال على نهر العاصي، ومن جهة الغرب على المدينة الصناعية، ويلفه من باقي جهاته حي القصور.

مدينة حماة الهادئة والخاضعة لسيطرة النظام لم يسمع فيها ما يعكر صفو دمشق منذ قمع المظاهرات التي اجتاحتها منتصف العام 2011.. القلق الوحيد الذي ضرب رأس النظام منذ أيام فيها هو حالة الاستعصاء التي ما تزال فصولها قائمة في سجن المدينة المركزي.

احتلت الأحداث التي تدور في ذلك البناء واجهة الإعلام على مدار أيام، وما إن خفتت حتى عادت مرة أخرى لتتصدر الأخبار من جديد. ويمكن تلخيص ما يحصل ببساطة في سجن حماة بكلمة "استعصاء"، حسب وصف سجناء فيه للجزيرة نت.

ويأتي هذا الاستعصاء احتجاجا على المحاكمات التعسفية التي يتعرض لها المعتقلون، والتي نتج عنها عزم النظام السوري على تنفيد حكم الإعدام في العديد منهم. واستمر هذا الاستعصاء من الثالث من مايو/أيار الجاري إلى التاسع منه، وانتهى باتفاق بين النظام والسجناء نص على إطلاق سراح جميع المعتقلين الموجودين لصالح محكمة الإرهاب على دفعات، خلال مدة أقصاها أربعة أشهر.

إضافة إلى ذلك يتم تخفيض عقوبة المعتقلين لصالح المحكمة الميدانية في سجن صيدنايا الذائع الصيت إلى النصف، وعدم إعادة أي معتقل إلى سجن صيدنايا أو الفروع الأمنية، مع عدم تدخل الشرطة في إدارة جناح الشغب داخل سجن حماة المركزي، وإبقاء جميع الهواتف النقالة مع السجناء، وإعادة الكهرباء والمياه والطعام إلى السجن.

تجدد حالة الاستعصاء مرة أخرى قبل أيام، وهذه المرة كانت الأشد حيث احتجز السجناء عددا من عناصر النظام بينهم ضباط، وذلك إثر إخلال النظام باتفاقه مع السجناء، عندما طلب رئيس محكمة الإرهاب القاضي رضى موسى من معتقلين في سجن حماة أن يذهبوا لحضور جلسات محكمة الإرهاب في دمشق، مما اعتبره السجناء التفافا من النظام ونقضا للاتفاق بين الطرفين خلال الاستعصاء الماضي.

درس صيدنايا
الحالة التي يمر بها سجن حماة المركزي تدفع للتفكير حول ردة فعل النظام وتعامله مع تلك الاستعصاءات، خاصة أن النظام له تاريخ دموي في التعامل مع هذه الحالات التي كانت تحصل في سجونه. وفي استعصاء سجن صيدنايا عام 2008 مثال حي، إذ عمد النظام إلى استخدام قوة السلاح وتدمير أقسام منه على رؤوس المعتقلين فيه.

ضابط منشق عن النظام خدم لمدة 12 عاما في سجونه المركزية يقول للجزيرة نت إن سجن حماة المركزي سجن مدني ومفتوح للزيارات لا يمكن إخفاء ما يحصل فيه، على غرار ما حصل في سجن صيدنايا الذي يعتبر بمثابة الثقب الأسود.

كما لا يستبعد الضابط المنشق أن يكون النظام أراد إيصال رسائل إلى المجموعة الدولية ومنظمات حقوق الإنسان بأنه يستمع لطلبات السجناء، وأنه لا انتهاكات في سجونه، كما أن النظام أراد أن يستثمر ورقة السجناء لا سيما أن أحد البنود الناظمة للمفاوضات بينه وبين المعارضة في جنيف تتحدث عن ضرورة إطلاقه سراح معتقلي الرأي، وهذا ما حصل عندما أطلق سراح 25 معتقلا من سجن حماة المركزي قبل أن تتوتر الأمور في السجن في المرة الأخيرة.

مجريات العصيان في سجن حماة المركزي (الجزيرة)

ويقول الضابط المنشق إن النظام ليس مضطرا لأن يهاجم السجن بشكل وحشي كما فعل في سجن صيدنايا من قبل، إذ بإمكانه أن يدفع السجن إلى الركوع عبر قطع المياه عن السجناء فقط.

حذر إعلامي
إعلاميا تعاملت وسائل إعلام المعارضة بكثير من الحذر مع الاستعصاء في سجن حماة المركزي، وفي هذا السياق يقول مدير تحرير شبكة "بلدي نيوز" الإعلامية المعارضة أيمن محمد في حديث للجزيرة نت إن ترك النظام وسائل الاتصالات فعالة في السجن كان مريبا، خاصة أنه على علم بأن هناك من يرفع مقاطع الفيديو من داخل السجن ويتواصل مع وسائل الإعلام.

ويضيف أن هذا السلوك من قبل النظام يثير عدة أسئلة عن السبب، متسائلا: هل يريد النظام أن يعكس صورة عن نفسه بأنه لا ينتهك القوانين داخل معتقلاته، أم أنه يريد أن يعرض على المعارضة صفقة عبر وسائل الإعلام بمبادلة أسرى إيرانيين وآخرين تابعين له مأسورين لدى المعارضة؟

المصدر : الجزيرة