حاوره في باماكو/ أحمد الأمين

يؤكد وزير المصالحة في حكومة مالي الذهبي ولد سيدي محمد، أن بلاده تسير بخطى واثقة نحو المصالحة والاستقرار، حيث "توقفت الاشتباكات بين الجيش والحركات المسلحة، ولم تسجل أي صدامات" مسلحة منذ سنة، وعادت الحياة إلى المدن التي كانت مهجورة.

ويرى ولد سيدي محمد أن الجانب الحكومي سعى منذ البداية إلى تسريع تطبيق بنود اتفاق السلام القابلة للتنفيذ دون الحاجة لإجراءات تشريعية أو تعديلات دستورية، لكن بعض الحركات لم تستجب حتى الآن لذلك.

ولا يخفي المسؤول المالي مخاوفه من تأثير الوضع في ليبيا على بلاده وعلى منطقة الساحل الأفريقي باتجاه إشاعة مناخ من عدم الاستقرار، بعد أن أصبحت ليبيا ملاذا لشبكات السلاح والتنظيمات الإرهابية على حد تعبيره.

الجزيرة نت التقت الذهبي ولد سيدي محمد في باماكو، وحاورته في العديد من القضايا والمشاغل  التي تهم بلاده والمنطقة.

مرَّ عام على توقيع اتفاق السلام والمصالحة بين الحكومة المالية والحركات المسلحة، فماذا تحقق؟

- أود أن أشير في البداية إلى أن توقيع كل الأطراف المالية لاتفاق سلام ومصالحة شامل بدعم ومشاركة إقليمية ودولية واسعة يشكل في ذاته إنجازا، خاصة إذا كان هذا الاتفاق يقدم حلا سياسيا لقضية شمال مالي، ويحقق الممكن من مطالب مختلف الأطراف.

من يرى اليوم مدنا مثل غاو وتين بوكتو وليرة، يلاحظ أنها استعادت نشاطها بعد أن ظلت لسنوات مدن أشباح، خالية من السكان

وبخصوص النتائج أعتقد أنه تحققت مسائل أساسية، فعلى سبيل المثال لا الحصر: توقفت الاشتباكات بين الجيش والحركات المسلحة، ولم تسجل أي صدامات بينهما منذ توقيع الاتفاق قبل سنة، ولم يعد الطرفان يعتبران أنهما في حرب، وتلك مسألة أساسية.

وبالإضافة إلى ذلك، أقيمت الهيئات واللجان المسؤولة عن متابعة تطبيق الاتفاق وباشرت أغلبها أعمالها على الأرض، وتم تشكيل لجنة العدالة التي ستتولى التحقيق في جرائم القتل والنهب التي حصلت على مدى عقود من النزاع.

وفي الوقت نفسه، خلق الاتفاق نوعا من الطمأنينة في نفوس الناس، وبدأ اللاجئون العودة إلى مواطنهم الأصلية، واستأنفوا نشاطاتهم التنموية والتجارية، ودبت الحياة في المدن من جديد.

ومن يرى اليوم مدنا مثل "غاو" و"تين بوكتو" و"ليرة"، يلاحظ أنها استعادت نشاطها بعد أن ظلت لسنوات مدن أشباح، خالية من السكان، وقد تحسن الوضع كثيرا بالمقارنة مع ما كان عليه الحال في السنوات الأخيرة.

وقد رافق كل ذلك أمر لا يقل أهمية، ألا وهو العمل التشريعي لوضع الأطر القانونية التي تمكن من تطبيق الاتفاق، وقد تم الكثير في هذا المجال. وأعتقد أن تلك مكاسب حققناها بالتعاون وبالعمل المشترك لصالحنا جميعا، ومن أجل حاضر شعبنا ومستقبله.

لكن بعض الحركات ترى أن إرادة السلام غائبة عند الحكومة المالية، وتتهمها بالتلكؤ والمماطلة في تطبيق بنوده الأساسية، خاصة تلك المتعلقة بالحكم المحلي.

- اتهام الحكومة بغياب الإرادة أمر لا يسنده دليل، فمنذ توقيع الاتفاق باشرنا العمل للوفاء بالتزاماتنا، وهذا ما أشرت إلى بعضه في الإجابة على سؤالك السابق.

وفي الإطار نفسه، سعت الحكومة إلى تسريع تنفيذ بنود الاتفاق التي لا يحتاج تطبيقها إلى إجراءات قانونية أو تعديلات دستورية، لكن بعض الحركات لم تستجب حتى الآن لذلك، وبدأت تعمل على الربط بين بعض نقاط الاتفاق، وهو ما يسبب العراقيل.

وعلى سبيل المثال فإن الحركات لا تزال تمانع في تجميع مقاتليها في مراكز محددة كما ينص على ذلك الاتفاق، وتربط هذه النقطة بعملية إقامة السلطات الانتقالية المحلية في الولايات. وعملية الربط هذه مثيرة للشك، إذ لا علاقة بين الموضوعين.

موقفنا مما يجري في ليبيا ينطلق من حرصنا على استقرارها، وضمان وحدتها، والرغبة في استعادة مكانتها ودورها القيادي في المنطقة والقارة

وأود في هذه النقطة أن أشير إلى أن الحكومة لم تقف في وجه إقامة هذه السلطات، لكن تشكيلتها وطبيعة التمثيل فيها لا يزال موضع خلاف داخل الحركات نفسها، خاصة فيما يتعلق بسلطات الولايات التي تتعدد فيها الأعراق والقوميات.

وما يثبت عدم ممانعة الحكومة أنها عدلت قوانين الإدارة الإقليمية لتتلاءم مع مقتضيات الاتفاق المتعلقة بالحكم المحلي.

وانسجاما كذلك مع ما نص عليه الاتفاق من استحداث مجلس الشيوخ كغرفة ثانية في البرلمان، فقد أعلنت الحكومة رغبتها في إجراء تعديل دستوري يسمح بذلك، وشرعت عمليا فيه. وخلال ثلاثة أشهر أو أربعة ستقدم مشروع دستور جديد يستجيب لكل النقاط الواردة في الاتفاق.

وأعتقد أن كل ذلك ينفي اتهام الحكومة بالتلكؤ، وهذا ما لاحظه الشركاء الخارجيون الذين أكدوا أننا قمنا بمجهود كبير وعبّرنا عن جديتنا وحسن نيتنا في تطبيق الاتفاق.

إذن أين تقع المشكلة ولماذا تأخر تطبيق أكثر بنود الاتفاق حتى الآن؟

- أعتقد أن أغلب الأطراف لديها الرغبة في السلام وتود تطبيق الاتفاق، لكن في المقابل أعتقد أن هناك عناصر داخل بعض الحركات ارتبطت منذ زمن بشبكات التهريب وببعض التنظيمات التي توصف بالتطرف، لا تريد السلام لأنه ليس في مصلحتها.

وهذه الشبكات والتنظيمات لا تريد أن تنخرط الحركات في عملية السلام لكي تبقى مستفيدة من العمل تحت راياتها وفي مناطق وجودها.

توقيع كل الأطراف المالية لاتفاق سلام ومصالحة شامل بدعم ومشاركة إقليمية ودولية واسعة، يشكل في ذاته إنجازا، خاصة إذا كان هذا الاتفاق يقدم حلا سياسيا لقضية شمال مالي

وحرصُنا على ضرورة تجميع مقاتلي الحركات نابع من هذا الأمر، لأن بقاء المقاتلين متفرقين وفي أماكن غير محددة يسمح لأي تنظيم إرهابي باستغلال اسم الحركات، مما يعني استمرار المخاطر الأمنية التي تهدد الجميع.

 ما مدى جدية التحديات الأمنية التي تواجه مالي؟

-  التحديات الأمنية عديدة لكنها لا تخص مالي وحدها، بل تشمل دول المنطقة عموما، فنشاطات المنظمات التي توصف بالإرهاب، وشبكات التهريب والجريمة المنظمة، تحدٍّ يواجه منطقة الساحل بل حتى الدول الأوروبية كذلك.

ولا شك أن حجم التحدي وطبيعته يجعل من المستحيل مواجهته من طرف دولة واحدة مهما كانت قوتها، لذلك لا بد من تعاون الجميع للتصدي له والقضاء على هذه التنظيمات والشبكات.

هل تؤثر الحالة في ليبيا على الوضع في مالي؟

- بكل تأكيد، ولسنا وحدنا من يتأثر سلبا بذلك، فما يجري في ليبيا يهدد الاستقرار في المنطقة، ودول الجوار أكثر المتضررين به.

وبكل أسف بات هذا البلد مركزا لكل الشبكات والتنظيمات الإرهابية، حيث وجدت فيه الملاذ والسلاح، وجعلت منه منطقة استقطاب للعناصر الإرهابية وموقعا لتدريبها، ومركزا لتخطيط عملياتها في الدول المجاورة.

والعمليات التي تشهدها تونس بشكل مستمر، وتلك التي جرت في مالي وبوركينا فاسو وساحل العاج تؤكد ذلك.

ما موقفكم مما يجري في ليبيا وكيف ترون الحل؟

التحديات الأمنية عديدة لكنها لا تخص مالي وحدها، بل تشمل دول المنطقة عموما، فنشاطات المنظمات التي توصف بالإرهاب، وشبكات التهريب والجريمة المنظمة، تحدٍّ يواجه منطقة الساحل بل حتى الدول الأوروبية
- ليبيا دولة شقيقة وعزيزة على نفوسنا، لها أياد بيضاء على مالي. وما تشهده اليوم يحز في نفوسنا، إلى جانب تأثيره السلبي على بلدنا.

وموقفنا مما يجري فيها ينطلق من حرصنا على استقرارها، وضمان وحدتها، والرغبة في استعادة مكانتها ودورها القيادي في المنطقة والقارة، ونتمنى أن توفق جهود أبناء ليبيا ويتمكنوا من تجاوز هذه المحنة.

وأعتقد أن العمل العسكري لن يحل المشكلة، لذلك فمن الضروري أن يتداعى الليبيون إلى حوار وطني شامل لا يقصي أحدا مهما كان الموقف منه، وأن يناقشوا قضاياهم ويحلوا مشاكلهم بأنفسهم، وأن يتجنبوا تصفية الحسابات والثأر من الماضي، فتلك دوامة لا يمكن لمن يدخلها الخروج منها. ومن واجب دول الإقليم والمجتمع الدولي أن يساعدهم على ذلك.

المصدر : الجزيرة